مساءلة اللامساواة والفوارق الاجتماعية في المنطقة العربية

عن المؤتمر الثاني

عقد المجلس العربي للعلوم الاجتماعية مؤتمره الثاني بعنوان “مساءلة  اللامساواة والفوارق الاجتماعية في المنطقة العربية” بين 13 و15 آذار/مارس 2015 في فندق كراون بلازا في العاصمة اللبنانية بيروت.
وتخلّلَ المؤتمر أكثر من 80 عرضًا يبحث في الظواهر المعاصرة أو التاريخية، ووجهات النظر المقارَنة العالمية وعبر المناطق من كافة العلوم الاجتماعية والتخصّصات المتصلة بها.
وكان الدكتور آدم هنية ]الرابط[ المتحدث الرئيسي خلال المؤتمر، حيث حملَت كلمته الرئيسية العنوان التالي: “تفسير اللامساواة والفوارق من خلال عدسة إقليمية”.

الموضوع

يشهد العالم بجميع أنحائه مستويات متزايدة من الفقر المدقع، ترافقه سياسات الدول القمعية، والنزاعات، والنزوح، والاحتلال العسكري، وكلّها مشاكل تؤدي إلى تعميق اللامساواة حول العالم وعلى الصعيدين الوطني والمحلي. علاوةً على ذلك، تطرح الطرُق والأوجُه المختلفة للفروقات الاجتماعية والثقافية مسألة التمييز واللامساواة. وردًا على ذلك، تجتاح العالم أشكال متفاقمة من الاحتجاجات والتحرّكات وأعمال التمرّد والمقاومة على المستويين العالمي والمحلي. وفي المنطقة العربية، ازدادت اللامساواة بين المجموعات والفئات الاجتماعية بشكل ملحوظ في العقدين الأخيرين، وما زالت مع اتّساع الاختلاف بين المناطق ضمن الدولة الواحدة. وتتداخل هذه الاختلافات مع أشكال اختلاف أخرى، من إقليمية إلى إثنية، ولغوية، ودينية، وقبليّة، وما إلى هنالك. والمُلفت أنّ تونس، وهي بلد “المعجزة الاقتصادية” حسب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كانت أول بلد تنطلق منه موجة “الثورات العربية”، ويُعزى ذلك إلى حدّ كبير إلى “معجزة” التركيز على العاصمة والمدن الساحلية الشمالية، وليس على المناطق الداخلية أو الجنوبية.

تعَدّ الدراسات التي تتناول الأوجُه والنتائج المختلفة للّامساواة والفروقات الاجتماعية في المنطقة العربية محدودة مقارنة بحجم الأدبيات التي تحلّل هذه الظاهرة في مناطق أخرى. في الواقع، إنّ الجهود المبذولة حتى الآن لطرح منظور مقارَن يهدف إلى  توثيق نشأة اللامساواة وتفاقُمها ومساراتها وتفسيرها قليلة أو غائبة تمامًا. والمنظور التاريخي ناقص أيضًا، والمحاولات ضئيلة لوضع المنطقة العربية في سياق عالمي عند مناقشة تلك الظواهر والاتجاهات العالمية. ولا بدّ أيضًا من دراسة أنواع اللامساواة المختلفة التي تؤدي دورًا وتترك أثرًا في الثورات العربية والأحداث التي تتبعها.

والأهمّ أنّ التحليلات في المنطقة حول الخطابات السائدة بشأن اللامساواة والفروقات الاجتماعية، والتمييز، والحرمان، والإقصاء، والفقر، إن كان في البحوث أو المفاهيم العامة أو على مستوى السياسات، ما زالت قليلة. وعليه، لا بدّ هنا من دراسة الإنتاج المعرفي الخاص بالعلوم الاجتماعية: كيف تتمّ مناقشة مسائل اللامساواة والفروقات الاجتماعية وتدريسها في مناهج المدارس والجامعات في أنحاء العالم العربي؟ ما هي النظرية المستخدَمة لدراسة اللامساواة الاجتماعية في العالم العربي؟ كيف تختلف أعمال الباحثين العرب عن أعمال الباحثين في دول الشمال وأقسام أخرى من دول الجنوب، وما النقاط المشتركة والمتباينة بينها؟

يدور المؤتمر حول أربعة تيمات رئيسية:

أشكال اللامساواة الاجتماعية وأبعادها المختلفة

يناقش هذا الموضوع الأشكال المختلفة للّامساواة التي يشهدها العام العربي تاريخيًا، وكيفية تغيُّر تلك الأشكال مع مرور الوقت. ويسلّط الضوء على العوامل المختلفة التي تعزّز أنظمة اللامساواة وتعيد إنتاج ظاهرة التهميش والإقصاء ضمن  فئات ومجموعات اجتماعية مختلفة. ويركّز بشكل خاص على التفاعل والتقاطع بين مختلف أشكال اللامساواة والفروقات، مثل الطبقة الاجتماعية، والجندر، والانتماء الإثني، والعمر، والمهنة، والجنسية، والمواطنة، والإعاقات، والانقسام الريفي/المدني، من ضمن جملة عوامل أخرى. فكيف تتمّ مناقشة تلك العمليات علنًا، وكيف يؤثّر تغيّر المعتقدات الإيديولوجية بين النخَب واللاعبين السياسيين على معالجة اللامساواة والفروقات الاجتماعية أو التغاضي عنها التفاوض حولها؟

وتشمل المسائل على وجه التحديد:

– كيف يؤدّي تفاعُل عوامل اجتماعية مختلفة (كالدين، والجندر، والعمر، والانتماء الإثني، وغير ذلك) إلى تفاقُم تهميش بعض المجموعات الاجتماعية؟

– ما أنواع اللامساواة القائمة بين الدول العربية وداخلها؟ كيف ستبدو المنطقة لو رسمنا خريطة لها وفقًا لمؤشّرات اللامساواة؟

– كيف وفي أيّ سياق تؤدي العلاقات الاستعمارية والاستعمارية الجديدة إلى اللامساواة؟

– كيف تؤثّر مختلف أشكال اللامساواة على الحصول على الحقوق الأساسية (مثلًا، الحق في العمل، والمسكن، والخدمات الأساسية، والصحة، والتعليم، والعدالة)؟

– ماذا نعني بالفقر ومن يُعدّ فقيرًا في المنطقة العربية؟

– كيف تتجلّى أشكال اللامساواة المختلفة في التجارب اليومية لمجموعات مختلفة في المجتمع، ومنها تلك الفقيرة والمهمّشة، وفي الطبقات الاجتماعية، والموظّفين العموميين، والشباب والشابات، وغيرهم؟

– كيف يؤدّي تفاعُل عوامل اجتماعية مختلفة (كالدين، والجندر، والعمر، والانتماء الإثني، وغير ذلك) إلى تفاقُم تهميش بعض المجموعات الاجتماعية؟

سياسات اللامساواة

يركّز هذا الموضوع على العمليات والآليات المرتبطة بإنتاج اللامساواة والفروقات وإعادة إنتاجها والاقتصاد السياسي ذات الصلة. ويدرس هذا الموضوع الأدوار التي يؤديها المسؤولون في الدولة، والفئة الرأسمالية المحلية وعبر الوطنية، ومؤسسات التنمية والاقتصاد متعدّدة الجنسيات، وغيرهم من اللاعبين ذات الصلة. ولا بدّ من تسليط الضوء بشكل خاص على الاستمرار في إضفاء الطابع الريعي على الاقتصاد والسياسات الليبرالية الجديدة، إلى جانب خطابات الحركات السياسية الإسلامية وممارساتها المتعلقة باللامساواة، سواء كانت في موقع سلطة أم لا. كما ينبغي دراسة الرابط بين آليات التراكم من خلال التجريد وبين التهميش الاجتماعي والإقليمي. ويتعيّن هنا فهم الديناميات الريفية، بما في ذلك نتائج إفقار صغار المزارعين وتجريدهم من مَزارعهم المحلية والعائلية، والسيادة الغذائية (الوطنية) العالمية، إلى جانب فهم كيف تُفاقم “الزراعة المتوجّهة نحو التصدير” التهميش الاجتماعي المحلي والمكاني وانعدام الأمن الغذائي.

ويشمل الموضوع المسائل المحدّدة التالية:

– ما العلاقة بين اللامساواة ومختلف أشكال الرأسمالية والقدرة المالية (على المستويات العالمية/عبر القومية، والإقليمية، والوطنية، والمحلية)؟

– كيف ومتى تؤدي السياسات والعمليات السياسية إلى الإقصاء الاجتماعي، وإضعاف القدرات، والحرمان؟

– كيف يتمّ تشريع تلك العمليات والسياسات؟ وأيّ معتقدات إيديولوجية أو نظريات أو أشكال أخرى من الإنتاج المعرفي مستخدَمة لتبريرها وتشريعها؟

– ما الدور الذي أدّته السياسات الاقتصادية، مثل الخصخصة، وإلغاء الضوابط التنظيمية ، واعتماد السوق الحرة في العقد الماضي من الزمن في الحدّ من اللامساواة الاجتماعية أو زيادتها؟

– هل تَظهر أشكال جديدة للدولة في المنطقة العربية؟ هل تلاشت دولة الرفاه؟ ما وقع اللامركزية، ونقل السلطات، والفدرالية على اللامساواة؟

– ما الدور الذي تؤديه السلطة السياسية في الدفاع عن اللامساواة الاجتماعية وإعادة إنتاجها وترسيخها؟

– هل من “ليبرالية جديدة” عربية؟ ما هي نقاط التشابه والاختلاف بين الدول العربية ومناطق أخرى (إن كان على الصعيد البنيوي [مثلًا الاقتصاد النفطي] أو الثقافي [الوحدة العربية] أو غير ذلك) التي تؤثّر تحديدًا على مسألة اللامساواة والفروقات بين الطبقات الاجتماعية؟

– كيف استُخدمت سلطة الدولة من أجل تطوير السياسات الليبرالية الجديدة في العالم العربي؟

مقاومة اللامساواة

ينظر هذا الموضوع في القوى التي تحارب اللامساواة الاجتماعية، أي الحركات الاجتماعية، والنقابات العمالية، والأحزاب السياسية، والمنظمات غير الحكومية، والمنظمات المجتمعية، ومنظمات الحركات الاجتماعية العابرة للحدود الوطنية، وغيرها. ولا بدّ من بلورة نظرة تاريخية، إلى جانب دراسة “عدم التحرك” وممارسات المقاومة اليومية والأشكال الناشئة من التنظيم، والخطابات البديلة، والأفكار الجديدة. ويجب التنبّه بشكل خاص إلى اللاعبين السياسيين الجدد، بما فيهم أولئك الآتين من الفئات المهمّشة، مثل عمّال المنازل، وعمّال البناء، والفلاحين، والمستعبَدين، وغيرهم. وستتمّ دراسة طبيعة المطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية وغيرها من منطلق اللامساواة والفروقات الاجتماعية.

ويشمل الموضوع المسائل المحدّدة في ما يلي:

– كيف تناقش المعتقدات الإيديولوجية التي تعتنقها التحرّكات والنخَب السياسية والاجتماعية المختلفة اللامساواة و كيف تبرّرها منطقيًا وتعزّزها؟

– إلى أيّ مدى نجحت المنظمات غير الحكومية والتنظيم المجتمعي في معالجة اللامساواة الاجتماعية والتعامل معها؟

– بعد مرور ثلاثة أعوام على الثورات العربية، ماذا يمكننا القول عن الدور الذي أدّته اللامساواة في التعبئة الشعبية، وأيّ نوع من اللامساواة أجّج الثورات؟

– أيّ نوع من التحركات احتشدت تاريخيًا حول مفهوم اللامساواة في المنطقة العربية؟

– ما كان دور الفئات السكانية المهمَّشة والمحرومة وصغار المزارعين في أشكال المقاومة والثورات المختلفة قبل اندلاع “الثورات العربية” وبعدها؟

– ما أنواع التحرّكات التي يمكن تشكيلها؟ هل من فارق بين التحرّكات التي تتجنّد حول المساواة وتلك التي تحتشد حول الحقوق؟ هل من أشكال للمقاومة خاصة بالمنطقة العربية؟

– ما هي بعض النظريات التي تبلورت حول المقاومة اليومية لمختلف أشكال اللامساواة في المجتمعات العربية: هل حدثَ دمجٌ للمقاومة، والتمرّد، والتدمير، والصمود، والبقاء، والثبات، والتكيّف في فهم الممارسات اليومية للمجموعات التابعة؟ ما القيمة النظرية والعملية للتمييز بين الفروقات؟

اللامساواة المكانية

يعالج هذا الموضوع اللامساواة والفروقات في المنطقة العربية من وجهة نظر مكانية. في الواقع، تنظر الدراسات التي يتمّ إعدادها في هذا السياق في كيفية تسجيل اللامساواة مكانيًا وكيفية تجلّي الفروقات من خلال الأفكار والتصورات والتجارب ذات الصلة بالفضاء والمكان. في هذا السياق، كيف تتوزع اللامساواة في المنطقة العربية من الناحية الجغرافية وما نطاقها وكيف يمكن إنتاجها وإعادة إنتاجها؟ أيّ عمليات وُصفت بأنّها عبارة عن ” تقلّص الأملاك العامة ” تجري في المنطقة العربية من خلال إزالة المساحات العامة، وإمكانية الحراك، والخدمات، بما في ذلك الخدمات الأساسية والمسكن، وخصخصتها؟ ما صلة ذلك بتوسُّع نطاق التحرّك العسكري والأمني، والحاجة إلى حماية النخبة الحاكمة من خطر “الغير” الموصوم، و/أو الأهداف الليبرالية الجديدة لتوسيع تجميع رأس المال من خلال المضاربة في مجال العقارات؟ ومن مجالات الدراسة التي تمّ إهمالها بشكل خاص نذكر التنافس بين المؤسسات الزراعية والمزارعين الصغار على الموارد الزراعية، مثل الأرض والمياه، وما ينتج عن ذلك من إفقار للسكان في الريف والمزارعين وتجريدهم من ملكيّتهم وتهميشهم. ويُعتبر الفقر، والإقصاء الاجتماعي، وانعدام الأمن الغذائي (على المستوييْن المحلي والعائلي) من بين النتائج الأكثر تجليًا لتلك العمليات.

ويشمل الموضوع المسائل المحدّدة في ما يلي:

– هل يجب إعادة النظر في الانقسام الريفي/المدني على ضوء التمدّن المتفشّي، وإعادة هيكلية الريف، والتهميش السياسي والاستطرادي للريف؟

– كيف ترسّخ السياسات والمشاريع المدنية الاقتصاد الليبرالي الجديد على حساب المشاعات والحقوق الجماعية؟

– ما آليات الأمن والعسكرة في المدن والقرى والمناطق، وما وقعُها على حركية السكان وعلى الممارسات المكانية؟

– ماذا يحدث للمساحات العامة في المدن والقرى، مع التنبّه بشكل خاص إلى أطر العمل التي تنظّم الاستخدام الجماعي للمشاعات مع مرور الوقت؟

– ما الوقع على البيئات والموارد والمناظر الطبيعية، وعلى دورها الاجتماعي والاقتصادي في الحياة اليومية للسكان؟

– ما التهديدات التي تواجه “الحق بالمدينة” (المسكن؛ البنى التحتية؛ الخدمات الأساسية؛ الحركية؛ المساحات العامة)؟

– ما هي أنواع المقاومة والتمرّد والتدخل الناشئة للتصدّي لتلك العمليات واستعادة المشاعات والحق في الوصول إلى الموارد (بما فيها الموارد الزراعية) والخدمات؟