تستمرّ الصّراعات السياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة بالتمدّد عبر المنطقة العربيّة، وقد بات الوقت ملائمًا للتفكّر في النماذج والمقاربات الجديدة الصّاعدة في مجالات العلوم الإجتماعيّة والإنسانيّات، من أجل تحليل الأشكال التاريخيّة والجديدة لبُنى الدّولة، وصيغ الحَوكَمة والسّلطة السياسيّة وتقاطعاتها مع الدّيناميّات المساحيّة والإجتماعيّة-الثقافيّة.
تشهد المنطقة اليوم تشكيلاتٍ متغيّرةً للدّولة وقوًى سياسيّةً صاعدةً توظّف استراتيجيّاتٍ جديدةً لاستيعاب ومحاربة وإنتاج التغيير. في بعض الحالات، تتفكّك الدّول وتتحلّل لتتسلّم أدوارها أطرافٌ سياسيّةٌ واجتماعيّةٌ جديدةٌ تسعى للحصول على الشرعيّة على المستويَين المحلّي والوطنيّ، ما يخلق أنواعًا مختلفةً من السّيادة السياسيّة. وفي حالاتٍ أخرى، تقوم الدّول باعتراض الحريّات السياسيّة وتضييق الخناق عليها، بينما تُفتح في دولٍ أخرى مساحاتٌ صغيرةٌ للإصلاح والتغيير. وتحدث كلّ هذه التغيّرات في سياقٍ من الرّوابط والمنافسات السياسيّة والإقتصاديّة المحليّة والإقليميّة والعالميّة التي تمرّ أحيانًا عبر الدّولة، وتلتفّ عليها في أحيانٍ أخرى. بالإضافة إلى هذا، تقوم التشكيلات الإجتماعيّة بصياغة صراعات القوّة وتُصاغ عبرها كذلك، كما تعبّر عن ذاتها من خلال أنواعٍ مختلفةٍ من التعبئة الإجتماعيّة، وعبر الإستخدام والإنتاج المتغيّرّين للفضاء والمكان، كما من خلال الإستراتيجيّات الفرديّة والجماعيّة التي تنتج أو تتحدّى الأدوار والممارسات الجندريّة والجيليّة.
بالإضافة إلى الدراسات الميدانية، تحتاج الأدبيات التي تعالج المظاهر والتّبِعات المتنوّعة للتحوّلات المستمرّة في المنطقة العربيّة أيضًا إلى مراجعةٍ نقديّةٍ لتقييم مدى معاينتها للتحولات الحاليّة ضمن إطارٍ زمنيٍّ تاريخيٍّ أطول، وكذلك مدى ارتباطها بالإنتاجات الأدبيّة السّابقة عن بُنى الدّولة، والمشاركة السياسيّة، وأشكال المقاومة، والعلاقات الإجتماعيّة المحليّة والوطنيّة والعابرة للحدود. كذلك تكتسب المنظوراتُ المقارَنة ضمن المنطقة، أو بينها وبين مناطق أخرى، أهميّةً تماثل أهميّة محاولات موضَعة المنطقة العربيّة ضمن السّياق العالمي لدى مناقشة هذه الظواهر والإتّجاهات. هنا، نحتاج إلى تفحّص إنتاج المعرفة في مجال العلوم الإجتماعيّة في حدّ ذاتها: كيف تُناقش مسائل الدّولة والسّيادة والفضاء الإجتماعيّ في المجالَين الأكاديميّ والعام؟ ما هي النماذج والمفاهيم النظريّة التي تُستخدَم في دراسة هذه الظواهر؟ كيف تُقارن أعمال الباحثين/ات العرب/يّات مع أعمال غيرهم/ن من الباحثين/ات في عالم الشّمال أو في أجزاء أخرى من عالم الجنوب، وكيف تتقارب معها أو تتباعد عنها؟
يركّز المؤتمر الثالث للمجلس العربي للعلوم الإجتماعيّة على المحاور الثلاثة الرّئيسة التالية:
