سلسلة محاضرات فاطمة المرنيسي

سلسلة محاضرات فاطمة المرنيسي

السلسلة الثانية: (2019-2022)

تحيي هذه السلسلة الثانية (2019-2022) ذكرى الراحلة فاطمة المرنيسي (1940-2015) عبر تقدير أعمال هذه الكاتبة وعالمة الاجتماع المغربيّة المعروفة بكتاباتها عن النّساء والنسويّة والفكر الإسلامي.

فاطمة المرنيسي: السّيرة والمسيرة
ليست فاطمة المرنيسي امرأةً عاديّة. وليس غريبًا على تلك المغربيّة التي أمضت أكثر من نصف عمرها تكتب وتحلّل في الإسلام والمرأة وتناضل في الميدان لإحقاق المساواة الجندريّة، أن تُختار واحدة من بين مئة امرأة لتكون الأكثر تأثيرًا في العالم بحسب صحيفة “الغارديان” البريطانية للعام 2011. أبصرت فاطمة المرنيسي النور في مدينة فاس المغربية في العام 1940. هي كاتبة وعالمة اجتماع ومناضلة نسويّة مغربيّة حظيت كتبُها باهتمام إقليميّ وعالميّ واسع النطاق وتُرجمت أعمالها إلى لغاتٍ عالمية. تخصّصت المرنيسي في العلوم السياسية في جامعة “سوربون” في فرنسا قبل أن تنتقل إلى جامعة “برانديز” في الولايات المتحدة الأميركيّة حيث نالت شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع بعد إنجاز أطروحتها في العام 1973، بعنوان “ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية”. ومنذ الثمانينيّات غدت أستاذة محاضرة في جامعة محمد الخامس في الرباط.  في تلك المرحلة اطّردت كتابات المرنيسي وتعاقبت إنتاجاتها فأصدرت “الإسلام والديمقراطية”، “الحريم السياسي”، “شهرزاد ترحل إلى الغرب”، و”نساء على أجنحة الحلم” وسواها من الكتب التي شهدت انتشارًا عالميًّا منقطع النّظير. لم تكتفِ المرنيسي بالشقّ النظريّ، بل عرفتها الشوارع المغربيّة ناشطة مدافعة عن النساء وحقوقهنّ. وبصفتها عالمة اجتماع، أجرت المرنيسي في أواخر السبعينيّات وأوائل الثمانينيّات، مقابلات عدّة في سبيل تحديد المواقف السائدة تجاه المرأة والعمل، وأنجزت فضلًا عن ذلك بحوثًا ميدانية عدة لليونسكو ومنظمة العمل الدولية.  كان لمقالاتها ومنشوراتها عن المرأة والإسلام وقعٌ كبيرٌ في بلدها الأمّ وفي البلدان العربيّة والعالم برمّته. إلّا أنّ هذا الانتشار سبقه حظرٌ لكتاباتها في بعض الدول العربيّة نظرًا إلى فِكَرِها التقدّمية وجرأة طروحها، وهو ما دفعها إلى إصدار باكورة كتبها باسم مستعار (فاطنة أيت الصباح) صدر في فرنسا بعنوان “المرأة في المخيال المسلم” وذلك في العام 1982 قبل أن تتجاوز هذا المنع وتبدأ بالنّشر باسمها الحقيقي. هذا وحظي كتابها “الحجاب والنخبة الذكورية: تفسير نسوي للإسلام”، بشهرة وانتقاد على السّواء.
“فاطمة المرنيسي. امرأة مغربية وهبت نفسها لعلم الاجتماع، ولخدمة القضية النسائية، زاوجت بين قراءتها للواقع والتراث، لتسليط الضوء على عتمة ذكورية طمست فاعلية المرأة في المجتمعات العربية الإسلامية” يقول عنها الصحافي كريم الهاني في مقالٍ بعنوان “فاطمة المرنيسي… أجنحة “واقع المرأة” الذي حلقت به إلى الحلم!” (مرايانا 5 أيلول/سبتمبر 2019). حصدت المرنيسي تكريماتٍ وجوائزَ عالمية عدّة أبرزها: جائزة أستورياس الإسبانية للأدب في العام 2003، وجائزة إراسموس الهولندية عن محور “الدين والحداثة” في العام 2004. ومن باب تكريمها وتقدير أعمالها، دُشّن في العام 2015 كرسيّ باسمها في جامعة محمد الخامس في الرباط.
أغمضت المرنيسي عينيها في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 مغادرةً مسرح الحياة وتاركةً وراءها إرثًا وفكرًا سيحفران اسمها كإحدى أبرز علماء وعالمات الاجتماع في المغرب والمنطقة العربية على مدى أجيال…
ملحوظات تمهيديّة (إدريس كسيكس)
إدريس كسيكس هو أحد مؤسّسي ومنسّقي كرسيّ فاطمة المرنيسي في  جامعة محمد الخامس ومؤسسة HEM في الرباط.
يسلّط كسيكس من خلال ملحوظاته التمهيديّة الضّوء على شخصية المرنيسي ونهجها ونمط حياتها وتفاعلاتها الفكريّة والإنسانية، وكيف يستمرّ ذلك من خلال كرسيّ فاطمة المرنيسي، فضلًا عن دور الكرسيّ في الحفاظ على إرثها وتثمينه واستلهام فِكَرٍ جديدة.
إدريس كسيكس أستاذ في الإعلام والثقافة والكتابة الإبداعية في HEM. عمل كرئيس تحرير لمجلّة TelQuel، ويشغل منذ العام 2007 منصب مدير مركز Economia  للبحث في العلوم الاجتماعية والاقتصادية والتدبيرية. بصفته باحثًا، نشر مقالات عدة وألقى محاضرات في محافل مختلفة وعبر شبكات أكاديمية وإعلامية دولية. حاز كتابه Le métier d’intellectuel : dialogues avec quinze penseurs du Maroc  [مهنة المثقّف: حوارات مع 15 مفكّرًا مغربيًا]، الذي شاركت فاضمة أيت مس (عضو مجلس أمناء المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة) في تأليفه، جائزة الأطلس الكبير ــ أرقى جائزة مغربية في مجال المقالة .
وُصف إدريس بـ “أحد أكثر الكتّاب المغربيين المعاصرين إبداعًا”، كما سمّاه “مسرح الاستوديو الوطني” في لندن في العام 2012 “أحد أفضل 6 كتّاب مسرحيين أفارقة”. عيّنه “الصندوق العربي للثقافة والفنون” (آفاق) في العام 2016 عضوًا في لجنة التحكيم حول الفنون الحيّة، و تم ترشيحه مرّتين للقب أفضل كاتب مسرحيّ فرنكوفوني (2015 و2017). اختاره مركز كتابة الفنّ في جامعة “نورث وسترن” ككاتب مقيم زائر في شيكاغو في خلال ربيع 2017.
كتب مسرحيات عدة، من بينها Pas de mémoire, mémoire de pas [غياب الذاكرة، وذاكرة الخطى] (1998)، Le Saint des incertains  [شيخ المرتابين] (2000)، Il [هو] (2008)، 180 degrés  [180 درجة] (2014)، وThe Match [المباراة] (2016). أمّا الروايات التي نشرها، فهي Ma boîte noire [علبتي السوداء] (2006)، L’homme descend du silence [الإنسان ينحدر من الصمت] (2014) و Au Détroit d’Averroès [في مضيق ابن رشد] (2017).
المحاضرة الافتتاحيّة (أسماء بنعدادة) (بيروت، لبنان-2019)
أسماء بنعدادة هي أستاذة التعليم العالي في شعبة علم الاجتماع في كلية الآداب والعلوم الإنسانية- ظهر المهراز- جامعة سيدي محمد بن عبد الله- فاس. متخصصة في الدراسات النسائية والسوسيولوجيا السياسية. على مستوى الإنتاج العلمي، صدر لها كتاب بعنوان “المرأة والسياسة دراسة سوسيولوجية للقطاعات النسائية الحزبية” 2008. لها مساهماتٌ في العديد من الكتب الجماعيّة أهمها:  “حركة الحقوق الإنسانيّة للنساء في المغرب. النهج التاريخي والأرشفي” 2015.  Le mouvement des droits humains des femmes au Maroc. Approche historique et archivistique 2015 كما لها مجموعة من الدراسات والأبحاث المنشورة في مجلات وطنية وعربية حول قضايا النساء.  تحيط هذه المحاضرة الافتتاحيّة بالجرأة الكبيرة والحسّ النقدي اللذين تمتّعت بهما فاطمة المرنيسي التي كانت سبّاقة إلى إزالة ستار التحفّظ والتكتم عن قضايا حسّاسة ظلت تعدُّ من التابوهات الأساسية في الثقافة العربية الإسلامية. وتتلخص هذه القضايا في الثلاثي: الجنس والدين والسياسة، وموقع النساء داخله. لقد تمكنت الباحثة الراحلة فاطمة المرنيسي بشجاعة فكريّة ومهارة علمية من معالجة وضعيّات النساء والعلاقات بين الجنسين عبر التاريخ ونجحت في تحويلها إلى مواضيع قابلة للبحث والنقاش والتحليل والنقد، مفكِّكة بذكاء العالمة والتزام المناضلة النسائية أسس النظام البطريركي في الثقافة العربية الإسلامية. انتبهت فاطمة المرنيسي منذ البداية إلى أن فهم المشاكل الاجتماعية واليومية للنساء لا يتحقق إلا بإنجاز قراءة تاريخية تفكيكية ونقدية للأسس الفكرية والدينية وللخلفيات الثقافية التي تؤسس النظام الأبوي والمتخيل الذكوري ورصد مظاهر الدونيّة والتهميش التي تعاني منها النساء. وتقسّم المحاضرة المسار العلمي لفاطمة المرنيسي على المستوى المنهجي إلى مسارين: الأول اعتُمدت فيه المقاربة التاريخية التحليلية التي وظّفتها في قراءة كتب التراث الإسلامي والفقه  من أجل فهم وضعيات النساء في الماضي ومحاولة الإجابة عن أسئلة الحاضر. يمكن ذكر على سبيل المثال بعض أعمالها التي اعتمدت فيها القراءة التاريخية التفكيكية وهي “الحريم السياسي، النبي ونساؤه” 1987، “سلطانات منسيات، نساء حاكمات في الإسلام” 1990، “نساء على أجنحة الحلم” 1996، ثم “الحريم والغرب”2001.  أما المسار الثاني فاعتمدت فيه الباحثة المقاربة الميدانية وتقنيات البحث السوسيولوجي  ووظفتها في دراسة واقع ومشاكل فئات عريضة من النساء المغربيات، وقد تضمنتها دراسات وكتب مثل: “نساء بروليتاريات في المغرب” 1981، “المغرب عبر محكيات نسائه” 1983، “نساء الغرب” 1984، “أيت دبروي، جمعيات مدنية في الأطلس الكبير” 2003،  “السندباد المغربي، سفر في المغرب المدني” 2004 وغيرها… وتحاول بنعدادة في هذه المحاضرة التطرّق إلى المقاربتين المنهجيتين اللتين استعملتهما الباحثة فاطمة المرنيسي في مشروعها الفكري والسوسيولوجي، مع التركيز على المقاربة الميدانية التي وظفتها في العديد من الأبحاث والدراسات حول نماذج متنوعة من النساء المغربيات، العاملات والفلاحات والنساجات والموظفات… كما وظفتها في دراسات حول حضور النساء والشباب في جمعيات المجتمع المدني. وأخيرًا اهتمامها بالثورة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الخطاب الإعلامي والديني، وهو المشروع الذي لم يُكتب له أن يخرج ككتاب، إذ وافتها المنية قبل أن تتمكن من إتمامه وإصداره.
المحاضرة الثانية (أميمة أبوبكر) (منصّة زوم-2020)

أميمة أبوبكر أستاذة الأدب الإنجليزي المقارَن في جامعة القاهرة، وعضوة مؤسِّسة/نائبة مجلس أمناء “مؤسسة المرأة والذاكرة” في مصر، وعضوة مجلس أمناء حركة “مساواة” الدولية. تتناول المحاضرة ظاهرة إنتاج المعرفة الدينية (الإسلامية) في العالم العربي من قِبل كاتبات وباحثات منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى بداية القرن الحادي والعشرين، وترصدُ تطوُّر مراحلها في صورة محطّاتٍ تُعدُّ أعمالُ فاطمة المرنيسي من أهمّها. تُقدّم المحاضرة تحليلًا لطبيعة هذه الكتابات وأفكارها كأمثلةٍ لتشكُّل منهج فكريّ وبحثيّ نسويّ يركّز على دراسة جوانبَ محدّدة من العلوم الإسلامية بهدف إصلاحيّ من داخل المنظومة نفسها، ما يستلزم التطرّق إلى التعريفات والتوصيفات والآراء النقدية التي قدّمها الباحثون/ات لهذا التيار، وصولًا إلى المرحلة الحالية وما تتميز به: المزيد من التخصُّص والوعي بالتموقُع الفكريّ والأنطولوجي والمعرفي. ثم تحيط المحاضرة بثلاث إشكاليات أو عقبات في الخطابات الحاليّة للنسويّات المسلمات بشكل عام: أولًا مأزق الدفاعية ضد كلٍّ من الرفض العلماني/غير الإسلامي من جهة، والتقليديّ أو المحافِظ الإسلاميّ من جهة أخرى، كذلك مواجهة الإسلاموفوبيا الكولونيالية في المجتمعات الغربية؛ ثانيًا مأزق الدوران في فلك التفكيك فقط وإعادة إنتاج ما تمّ إثباته من تأويلاتٍ أبويّة واحتكار للفهم الديني؛ وثالثًا مأزق السياقات السياسية الملتبسة التي تحدّ من الفكر الحرّ والمستقلّ. ومع ذلك، ثمّة حاجةٌ إلى استكمال وتطوير معرفة إسلامية ناضجة بالعربية تعبّر عن النظرة النسويّة في مجالات إضافية إلى مجال علاقات النوع (الجندر) أو العدالة النوعيّة (الجندريّة)، على غرار علم الأخلاق، والدراسات البيئيّة، والدراسات النقديّة للعرق، وتقويض المنظومة الكولونيالية. وتقدّم المحاضرة في الجزء الأخير أمثلة عن المساهمة النسوية الإسلامية في تضفير مجالات دراسات النوع (الجندر) والأخلاقيّات والتفسير القرآني بصفة خاصة.

المحاضرة الثالثة (زينة زعتري) (منصّة زوم-2021)

زينة زعتري هي مديرة المركز العربي الأميركي الثقافي وأستاذة مساعِدة في الأنثروبولوجيا في جامعة إلينوي في شيكاغو. عملت سابقًا مديرة البحوث في Political Research Associates (2017-2018) والمديرة الإقليميّة لبرنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الصندوق العالمي للنساء (2004-2012).  تتناول المحاضَرة تأمّلاتٍ وتحليلًا للحركات النسويّة والكويريّة في المنطقة العربيّة، ومشروعاتها التغييريّة، وهيكليّة تنظيماتها، وإنتاجها المعرفيّ، وتحوُّلاتها عبر الزمان. تأخذ المحاضَرة منطلق السرديّة(storytelling)  كمهجيّة أكاديميّة بالإضافة إلى كونها منهجيّة لأجل التغيير. وترتكز بذلك على منهجيّة المرنيسي السرديّة الواضحة في عدد من كتبها ومقالاتها التي تسرد قصصًا عن حياتها وحيوات آخرين/أخريات من أسرتها وشخصيّات التقت بها، وكذلك قصصًا من التأريخ الشفهيّ الذي اعتمدته في بعضٍ من أبحاثها. هذه المنهجيّة مكّنتها من قصّ سرديّات مضادّة، والوصول والتواصل مع الآخر، وطرح أفكار جديدة، وتفكيك الأطر الأنموذجيّة حول النساء والجندر. كما تشدّد المحاضرة على الربط ما بين المنهجيّة السرديّة (storytelling)  كأسلوب للتغيير المجتمعيّ من جهة، والتأريخ الشفهيّ والشخصيّ كمنهجيّة علميّة نسويّة من جهةٍ أخرى تهدف أيضًا من خلال إنتاج المعرفة إلى التغيير المجتمعي. تركّز المحاضرة على تأريخ المتغيّرات في التوجُّهات التنظيميّة، والأولويّات، وأطر الإنتاج المعرفيّ، وإشكاليّات التغيير المجتمعي. ثمّ تركّز على انبثاق حركات الحقوق الجنسيّة والجسديّة أو الحركات الكويريّة وترابطها وانتقادها للحركات النسائيّة. وتطرحُ المحاضرة إشكاليّة الظهور (visibility) التي لطالما ترافقت مع مشروعات التغيير المجتمعي. وهنا، تربط المحاضرة بين تجارب الحركة النسويّة ومعالجتها لهذه الإشكاليّة وبين صراع الحركة الكويريّة في كسر القيود والتِماس الحذر لناحية الأذى المتوقَّع كردّة فعل على استراتيجيّات الظهور. ومسألة الظهور ليست فقط مرتبطة بالممارسات اليوميّة بل أيضًا أدّت دورًا مهمًّا في فترة الفوران السياسيّة مثل الثورات والانتفاضات.