مساءلة العلوم الاجتماعية في دوّامة الأزمات: موجات السّخط والمطالبة بالتغيير

10-7-2 كانون الأول/ديسمبر 2021 

لمحة عن المؤتمر

عقد المجلس العربي للعلوم الاجتماعية مؤتمره الخامس بعنوان “مساءلة العلوم الاجتماعية في دوّامة الأزمات: موجات السّخط والمطالبة بالتغيير” في كانون الأول/ديسمبر 2021. وقد عكسَ موضوع المؤتمر رغبة المجلس المستمرة في تشجيع مقاربات ونماذج فكرية جديدة منبثقة من تخصّصات العلوم الاجتماعية والإنسانية، وفي تحقيق فهم أفضل للضوابط والاحتمالات التي ترسم معالم المنطقة العربية.

لمحة عامة

يُعقد مؤتمر المجلس العربي للعلوم الاجتماعية عادةً في لبنان، ولكنْ بسبب جائحة كوفيد-19، تغيّرَ النسَق لضمان سلامة جميع المشاركين/ات. فقد جرى تقسيم المؤتمر إلى ثلاث فعاليّات حضورية ليوم واحد، عُقدت كلّ منها في مدينة مختلفة من مدُن المنطقة: الدار البيضاء (2 كانون الأول/ديسمبر)، والقاهرة (7 كانون الأول/ديسمبر)، وبيروت (10 كانون الأول/ديسمبر). في المغرب، عُقد المؤتمر بالشراكة مع جامعة الأخوين بإفران وجامعة الحسن الثاني بالرباط؛ وفي مصر، نُظّم بالشراكة مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة. بالإضافة إلى ذلك، نظّمت مكاتب التواصل التابعة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية طاولات مستديرة افتراضية ركّزَت على فلسطين والجزائر. وقد تلقّينا طلبات للمشاركة من 30 دولة حول العالم، وقدّم مائة وخمسون باحثًا/ة (في البلدان الثلاثة) من جميع أنحاء المنطقة العربية والعالم أوراقهم/نّ البحثية.

استُهلّ المؤتمر بكلمة رئيسية حملَت عنوان “التغيير: رؤية في المفهوم”، ألقاها الكاتب المتميّز إبراهيم الكوني، وأدارَ الجلسة الإعلامي والشخصية التلفزيونية المغربية البارزة عدنان ياسين. وفي القاهرة، قدّم الجلسة الافتتاحية الدكتور أحمد دلال، رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومؤلّف التقرير الثالث للمرصد العربي للعلوم الاجتماعية بعنوان “الفضاءات الأكاديمية والمسارات المهنية لعلماء العلوم الاجتماعية في العالم العربي“. وأخيرًا، كانت جلسة بيروت الافتتاحية عبارة عن جلسة عامة حول موضوع المؤتمر الخامس، شاركَ فيها ثلاثة أعضاء من اللجنة المنظّمة (الدكاترة منير السعدني، وزياد أبو الريش وحيدر سعيد) كمتحدّثين. وقد قامت بتيسير حلقة النقاش إليزابيث سوزان كساب، رئيسة مجلس أمناء المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. وشكّلَت هذه الجلسة الختامية حلقة النقاش الشبكية العاشرة والختامية لسلسلة حلقات نقاش الذكرى العاشرة لتأسيس المجلس العربي للعلوم الاجتماعية.

الثيمات

ركّزَ الموضوع المختار على مساءلة العلوم الاجتماعية وإنتاج المعرفة في هذه الأزمنة المضطربة. ونظرَت العروض في الأدوات الفكرية والمنهجية المبتكَرة التي تفرضها حدّة الأحداث التي تعيشها المنطقة العربية والعالم على مدى السنوات القليلة الماضية، وآخرها الصراع، بدرجات متفاوتة من النجاح، مع تداعيات انتشار جائحة “كورونا” (كوفيد 19). كما تناولَت العروض كيف فرضت الجائحة على الحركات الاحتجاجية في العديد من الدول العربية إعادة النظر في أشكال مطالبها الجماعية كالمسيرات الشعبية الحاشدة، واختيار أنشطة احتجاجية أكثر أمانًا. وعليه، نظرَ المؤتمر الخامس للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية في هذه المسائل من خلال أربعة ثيمات فرعية على النحو الآتي: اللامساواة والمقاومة؛ الدولة ومجتمع المخاطر؛ البنى التحتية والبقاء؛ وإيكولوجيات الكوني والإقليمي والوطني. وقد استُهلّ المؤتمر بكلمة رئيسية حملَت عنوان “التغيير: رؤية في المفهوم”، ألقاها الكاتب المتميّز إبراهيم الكوني، وأدارَ الجلسة الإعلامي والشخصية التلفزيونية المغربية البارزة عدنان ياسين. وفي القاهرة، قدّم الجلسة الافتتاحية الدكتور أحمد دلال، رئيس الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ومؤلّف التقرير الثالث للمرصد العربي للعلوم الاجتماعية بعنوان “ الفضاءات الأكاديمية والمسارات المهنية لعلماء العلوم الاجتماعية في العالم العربي“. وأخيرًا، كانت جلسة بيروت الافتتاحية عبارة عن جلسة عامة حول موضوع المؤتمر الخامس، شاركَ فيها ثلاثة أعضاء من اللجنة المنظّمة (الدكاترة منير السعدني، وزياد أبو الريش وحيدر سعيد) كمتحدّثين. وقد قامت بتيسير حلقة النقاش إليزابيث سوزان كساب، عضو مجلس أمناء المجلس العربي للعلوم الاجتماعية. وشكّلَت هذه الجلسة الختامية حلقة النقاش الشبكية العاشرة والختامية لسلسلة حلقات نقاش الذكرى العاشرة لتأسيس المجلس العربي للعلوم الاجتماعية.

اللامساواة والمقاومة

يمثّل العامان 2019 و2020 لحظة مميّزة وتاريخية بالنسبة إلى شعوب المنطقة العربية، كما كان الحال في العاميْن 2010 و2011، في ظلّ التحرّكات الشعبية والسياسية الكبيرة التي تشهدها عدة دول في المشرق والمغرب العربي. فقد برزَت، أو تعزّزت، عددٌ من القوى الاجتماعية من خلال الحركات الاجتماعية والاحتجاجية التي اتّخذَت أشكالًا متنوعة واستخدمت وسائل تعبير مختلفة. وطالبَت هذه الحركات الجماعية والراديكالية بتغييرات في أجهزة الدولة، واتّهمَت النخَب السياسية الحاكمة بتجاهُل التحوّلات الفكرية والسياسية والثقافية والديموغرافية التي تشهدها مجتمعاتها، ودعَت إلى نسج علاقات جديدة بين المواطنين أنفسهم وكذلك مع دولتهم القومية. وطالبَت الاحتجاجات بالتغيير فيما يتعلق بالعديد من المشكلات الهيكلية مع دخول المنطقة في دوّامة من الأزمات الجديدة، بما في ذلك قضايا المواطنة، وخيارات السياسات الاجتماعية والاقتصادية، واللامساواة الاجتماعية، واللامساواة في الوصول إلى الخدمات الاجتماعية، وتفاقُم المشكلات ذات الصلة بالموارد البيئية والطبيعية. علاوة على ذلك، كان من اللافت ظهور حركات واحتجاجات متزامنة تتّخذ من بعضها البعض مرجعًا، ليس فقط في جميع أنحاء المنطقة، ولكنْ أيضًا على مستوى العالم، من شرق آسيا إلى أمريكا اللاتينية، في أشكال المقاومة وتجلّياتها وكذلك فيما يتعلق بتصوّرات مستقبل مختلف.

الدولة ومجتمع المخاطر

ركّزَ المؤتمر على مساءلة العلوم الاجتماعية وإنتاج المعرفة في هذه الأزمنة المضطربة. ونظرَت العروض في الأدوات الفكرية والمنهجية المبتكَرة التي تفرضها حدّة الأحداث التي تعيشها المنطقة العربية والعالم على مدى السنوات القليلة الماضية، وآخرها الصراع، بدرجات متفاوتة من النجاح، مع تداعيات انتشار جائحة “كورونا” (كوفيد 19). كما تناولَت العروض كيف فرضت الجائحة على الحركات الاحتجاجية في العديد من الدول العربية إعادة النظر في أشكال مطالبها الجماعية كالمسيرات الشعبية الحاشدة، واختيار أنشطة احتجاجية أكثر أمانًا. وعليه، نظرَ المؤتمر الخامس للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية في هذه المسائل من خلال أربعة ثيمات فرعية على النحو الآتي:

البنى التحتية والبقاء

ليست البنى التحتية، في شمولها للحواضر والقرى والأرياف والبوادي والسواحل، مجرّد إنشاءات مادية بل هي تدخُّل بشري يهدف إلى هندسة الطبيعة وتأهيل أفضية العيش، يحدّد إلى مدى واسع أساليب الحياة وأنماط العيش لدى الأفراد والمجموعات. ومن هذا الباب، يكون الربط بين البنى التحتية والبقاء في معنى تحقيق شروط الوجود الفيزيائي للأجيال الحالية واستدامة الحياة للأجيال اللاحقة. ومن هذا الباب أيضًا، يكون الربط بين البنى التحتية وحقوق الإنسان الأساسية والجندرية من صحة مستدامة ومُنتِجة، وتعليم، وسكن لائق، وعمل كريم ومُنصف الأجر، ومشاركة مجتمعيّة. وتندرج كل هذه الأبعاد في إطار مفهوم التنمية المستدامة ومساءلة المفاهيم ذات الصلة كالقدرة على الصمود والهشاشة والرفاه والحماية الاجتماعية. وعليه، من منظور العلوم الاجتماعية، لا يُعَدّ تحقيق شروط الوجود الفيزيائي واستدامة الحياة مسألة طبيعية بل هو في صلب السياسات العامة وما تتطلّبه من استراتيجيات تخطيطية وتنفيذية. وبذلك، تكون البنى التحتية ذات مساس مزدوج بالمخططات التنموية من حيث هي ذاتها جزءٌ من التنمية ولكنها في الوقت نفسه محفّزة للتنمية وميسِّرة لها. وعليه، يكون التمييز بين سياسات إنشاء البنى التحتية حسب نوعية الاقتصاديات القائمة في كل بلد ومواقع الاستثمار والتنمية منها من جهة، ومدى تحقيق هذه السياسات للإنصاف والتوازن من جهة أخرى.

إيكولوجيات الكوني والإقليمي

باتت إشكالية الدولة الجوهر الأساسي للعلوم الاجتماعية بفعلِ التحوّلات الجارية في المنطقة خلال العقدين الماضيين، بما فيها فشل الدولة، وتآكل شرعيّتها، وسقوط الهوية الوطنية لصالح هويات أخرى، وصعود القوى الخارجية المتنافسة. وقد تجلّى ذلك بشكل أكثر وضوحًا، بعد الأزمات العامة التي أثّرَت على العالم والمنطقة العربية، وآخرها أزمة جائحة كورونا. فبعد ثلاثة عقود أو أكثر من التنظير حول “أفول السيادة” ونهاية النظام الويستفالي، وظهور نظام جديد تجسّده عولمة لا تتمظهر فقط في الشبكات العابرة للحدود، بل أيضًا في القضايا المناخية والإيكولوجية، تبيّنَ أنّ السيادة المطلقة للدولة عبارة عن بقايا تاريخية. غير أنّ جائحة كورونا أكّدت الطابع المركَّب للدولة، حيث عاش العالم كلّه تجسيدًا فريدًا للعولمة، ورُعْبًا واحدًا واحتياطات واحدة. بتعبير آخر، سلّطَت الجائحة الضوء على ضرورة إعادة النظر في مسألة الدولة.