نقطة ضوء

مبنى علم الدين - شاهدٌ على التاريخ

في عمق شارع جون كينيدي البيروتيّ (جادًة بيرتوي سابقًا)، يطلّ مبنى علم الدين مختزنًا عددًا من الحقبات والأحداث. كمراقبٍ صامتٍ لتاريخ لبنان المعاصر، تحمل جدرانه قصص مدينة ومنطقة شكّلتها عقود من التحوّلات والاضطرابات. قبل سنوات خلت، كان الترامواي يمرّ عبر جزء من الشارع الذي يقع فيه المبنى، وعُرِف محلّيًا باسم محطة غراهام. لمبنى علم الدين، حيث مقرّ المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة، أخبار وحكايات وأسرار زوّدتنا بها مالكتا المبنى الحاليّتان هَنا ونورا علم الدين، لنسردها لكم/نّ في “نقطة ضوء”.

يقع المبنى على بُعد أمتار من الجامعة الأميركية في بيروت في شارع بليس. كان المبنى المصمَّم على طراز “آرت ديكو” في الأصل مملوكًا لعائلة سنّو البيروتية، التي كلّفت المهندس المعماري ميشيل فرانكو والمهندس الإنشائي فاهان أغادجانيان ببنائه في أوائل أربعينيات القرن الماضي. وكانت النتيجة صرحًا من خمسة طوابق يعكس هوية بيروت الثقافية والتاريخية في ذلك الوقت. بُنِيت الشقق استنادًا إلى تصميم القاعة المركزية الذي شاع في منتصف القرن التاسع عشر، لتلبية احتياجات الطبقة الوسطى الحضرية الناشئة التي تطورت نتيجة ازدهار اقتصاد الحرير والأهمية السياسية المتزايدة لبيروت في قلب الإمبراطورية العثمانية. كانت المباني المشيَّدة حديثًا في منتصف القرن العشرين ذات أسقف عالية لضمان حسن التهوئة وتدوير الهواء، وهو أمر ضروري لفصل الصيف الحار والرطب في بلدان البحر الأبيض المتوسط. كما اتّسمت المباني في حينها ببلاطها الخرساني والتيرازو. قبل الأربعينيات، كانت الإنشاءات المحلّية تستخدم بلاطًا زخرفيًّا متقنًا عُرِف محلّيًّا باسم “السجّاد”.

انتقل المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة إلى مبنى علم الدين عام 2016. وكان هذا الانتقال الثالث في تاريخ المجلس منذ تأسيسه عام 2012. فبين عامَي 2012 و2014، استقرّ المجلس بضيافة شبكة المنظّمات غير الحكومية العربية للتنمية في منطقة كورنيش المزرعة. وبعد تسجيل المجلس بشكل قانونيّ كمؤسّسة غير حكومية في بيروت، استأجر مقرّه المستقلّ عام 2014، وكان عبارة عن شقة من غرفتين في شارع جان دارك في الحمرا، رأس بيروت. وبعد مرور سنتَين، ومع توسّع أنشطته وطاقم عمله، انتقل المجلس إلى مقره الحالي في مبنى علم الدين في منطقة عين المريسة السكنية.

في العام 1957، جرى تأجير الطابقَين الأول والثاني، حيث مكاتب المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة حاليًّا، كمساحة مكتبية لشركة موارد الشرق الأدنى حيث كان يعمل السيد علم الدين، والد هناء ونورا. شكّل تقسيم المباني للأغراض التجارية والسكنية ممارسةً نموذجيةً في ذلك الوقت. وسكنت في الطابقَين الثالث والرابع عائلتان يهوديتان بيروتيتان هما طاوطة وعطية، فيما شغل زوجان أميركيان الطابق الخامس (الطابق الأخير آنذاك). هذا الطابق الخامس هو نفسه الذي اتّخذه آل علم الدين لاحقًا منزلًا لعائلتهم.

من شرفات شققهم، كان سكّان مبنى علم الدين شهودًا على عددٍ من الأحداث التاريخية. “كنا نشاهد التظاهرات المؤيّدة لفلسطين من الشرفة (كما هو موضح في الصورة إلى اليسار)، والأمر نفسه في العام 1967 عندما تنحّى عبد الناصر. أتذكّر أنّني تمكّنت من رؤية كلّ شيء من شرفتنا، الميناء وخليج جونيه والجبال، ومسيرات عيد الاستقلال”، تقول نورا.

في الخمسينيات، كان هناك عدد قليل من المباني حول مبنى علم الدين: مبنى عائلة سنّو في الزاوية بالقرب من الجامعة الأميركية في بيروت، ومبنى خليل المواجه لمبنى علم الدين، ومقرّ إقامة السفير البريطاني المجاور (مبنى ميموزا حاليًّا). وبجوار مبنى علم الدين كان مبنى قشو الذي ضمّ قبل سنوات عدة السفارة السويسرية وهو الآن موقف سيارات كبير. شُيِّد المبنيان التوأمان في الوقت نفسه، وتشاركا نظام رفع الأغراض بسلّة مربوطة بحبل، استخدمها الأطفال لتبادل الحلوى أو شراء البقول والخضراوات والإمدادات من الباعة المتجولين.

بالإضافة إلى الذكريات الممتعة، حُفِرت ذكرياتٌ صعبة من حرب الأيام الستة عام 1967. تتذكر الشقيقتان علم الدين العودة ذات يوم إلى منزل مظلم تمامًا حيث غطّى والداهما جميع النوافذ بقطعة قماش سوداء، فيما كان أبوهما يجلس في وسط الغرفة يستمع إلى تحديثات الحرب عبر إذاعة بي بي سي. تتذكّر هَنا بوضوح الصور الحزينة للاجئين الذين يغادرون منازلهم في فلسطين، وتقول: “عندها انتهت طفولتي”.

في العام 2006، جرى تجديد المبنى وإصلاحه بشكل كبير.  تقول هنا “اكتشفتُ أنّ المبنى كان في الأصل ورديّ اللون لا أبيض، لذا قررنا إعادة طلائه باللون الورديّ واحتفظنا بجميع الميزات الأصلية. كما أعدنا تصميم المدخل بروح آرت ديكو”. وفي العام 2024، خضع المبنى للتجديد مرة أخرى بعد سلسلة من المضاعفات الهيكلية الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وزلزال العام 2023.

عندما انتقل المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة إلى مبنى علم الدين في العام 2016، أحبّ الموظفون المساحة والأسقف العالية وبلاط التيرازو الأصيل الساحر. وحرص المجلس على الحفاظ على طابعه الأصلي، فأدخل تعديلات بسيطة لإعادة هيكلة المساحات الواسعة وتقسيمها وتحويلها إلى مكاتب تتسع الآن لما يقرب من 20 موظفًا واستشاريًّا. يحتوي الطابق الأول على قاعات اجتماعات بأحجام مختلفة مناسبة لأغراض اللقاءات والتدريب وجاهزة لاستقبال الضيوف من شبكة المجلس الآخذة في التوسع.

في خضمّ هذه المنعطفات الحساسة، حيث يتشابك عدم اليقين السياسي مع الأمل المستدام، يقف مبنى علم الدين كمستودع للذاكرة ومنارة للمستقبل -وهو تذكير ملموس بقدرة بيروت على الصمود ودورها الدائم والتقاطعيّ للأفكار والثقافات والتغيير. المباني التراثية هي مفتاح الفهم والعيش في المدينة، ومبنى علم الدين ليس استثناءً. فهو يروي قصصًا عدة عن المدينة وتوسّعها الحضري التاريخي -الجامعة الأميركية في بيروت، والترامواي، والاحتجاجات، ونظام رفع الأغراض بالسلّة، والأهم من ذلك مجتمع رأس بيروت الذي أصبح المجس العربي للعلوم الاجتماعيّة اليوم جزءًا منه.