سلسلة محاضرات حنا بطاطو

السلسلة الأولى: (2015-2018)

تشكّل سلسلة المحاضرات السنويّة أحد الأنشطة العامّة الرئيسة التي ينظمها المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة، وهي بمنزلة فرصة لتكريم علماء/عالمات علوم اجتماعيّة بارزين من المنطقة العربية. ويعمل المجلس من خلال هذه المحاضرات على تقديم أعمالهم والتأمُّل في التقاليد الفكرية في المنطقة فضلًا عن استحضار التاريخ وإرث الماضي. وتهدف المحاضرات أيضًا إلى تعزيز النقاشات حول القضايا المعاصرة والتحديات التي تواجه منطقتنا اليوم.

تتخذ المحاضرات السنوية شكل سلسلة يتبدّل محور تركيزها وموضوعها كلّ أربع سنوات. وتتولّى السلسلة تكريم علماء بارزين لهم مساهمات مهمّة في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة. علمًا أنّ هذه المحاضرات تكون مفتوحة للجمهور وتمنح الأكاديميين، والطلبة، والمهتمين فرصة مشاركة آرائهم والتشبيك والتحاور.

تحيي هذه السلسلة الأولى (2015-2018) ذكرى الراحل حنا بطاطو (1926-2000) عبر تقدير أعمال هذا المؤرّخ والعالم السياسي الفلسطيني وإسهاماته.

حنا بطاطو: السّيرة والمسيرة

كان حنا جون بطاطو (1926-2000) مؤرّخًا عالميًا وخبيرًا في تاريخ العالم العربي الحديث، مع تركيز خاص على العراق وسورية. وُلد في القدس بفلسطين وهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1948، حيث أثرت النكبة بشكل عميق على حياته.

درس في كلية إدموند والش بجامعة جورج تاون، وحصل لاحقًا على منحة لدراسة العلوم السياسية في هارفارد، حيث تأثر بالمنهجية الماركسية لأساتذته بارينجتون مور الابن وهربرت ماركوز، وأصبح يُعرف نفسه كماركسي مستقل.ش

كرّس بطاطو حياته لدراسة تاريخ الشرق الأوسط الحديث وكتاباته حول العراق وسورية، مع التركيز على العوامل الاجتماعية وتطور الحركات السياسية. يُعتبر عمله عن العراق، “الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق” (1978)، من أبرز الدراسات التاريخية، إذ وضع معايير عالية للمؤرخين والباحثين.

المحاضرة الافتتاحيّة (بيروت، 2015)

ألقى المحاضرة الأولى المعنونة “ثورة 1908 الدستورية كمرحلة فاصلة في تاريخ بلاد الشام: قراءة في إشكاليات التاريخ المحلي” عالم الاجتماع الفلسطيني، الأستاذ سليم تماري. الدكتور سليم تماري أستاذ علم اجتماع في جامعة بيرزيت، وأستاذ مساعد في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون.

وتعالج هذه المحاضرة تجليات الثورة الدستورية التي أطاحت بالطغيان الحميدي وفتحت آفاق نظام سياسي اجتماعي جديد في حواضر بلاد الشام. وسيقدّم الدكتور تماري قراءة جديدة لمساهمات مؤرخين محليين، تبنوا مواقف متباينة من الثورة الدستورية ومن مفهوم اللامركزية العثمانية. وتركّز هذه المحاضرة بشكل خاص على التحولات الاجتماعية المفصلية التي اجتاحت مدينة نابلس خلال الثورة والثورة المضادة (1909) من خلال أعمال هؤلاء المؤرخين المحليين: رفيق التميمي ومحمد بهجت في اثنوغرافيا بيروت، ودمشق، وحلب، والقدس، والبلقاء؛ وإحسان النمر في الدفاع عن السلطنة العثمانية وإدارتها للولايات الشامية؛ ومحمد عزت دروزة في تحليل الثورة الدستورية والثورة المضادة. وتحاول هذه المحاضرة الإجابة على مفارقة تصدي أول حزب عربي معادي للإقطاع (الجمعية الحمادية، نابلس 1902) للثورة الدستورية وارسال متطوعين للقتال مع فيالق الثورة المضادة. كما ستحاول تسليط الأضواء على أهمية قراءة التاريخ المحلي في فهم الصراع الذي اجتاح بلاد الشام بين مبدأ العثمانية والتيارات القومية الانفصالية. وترتكز قراءة الدكتور تماري على تراث حنا بطاطو في تحليل علاقة الأرياف مع المدينة، وعلاقة الفلاحين مع الدولة، والتغير الهيكلي في بنية الفئات المحلية المهيمنة على الدولة المركزية.

المحاضرة الثانية (عمّان، 2016)

ألقت المحاضرة الثانية المعنونة “المجتمع والتاريخ في العراق بين حنّا بطاطو وعلي الوردي” المؤرخة اللبنانية-الأميركية، دينا رزق خوري. الدكتورة خوري أستاذة في التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، وحائزة على زمالة مؤسّسة غوغنهايم.

تركّز محاضرة الدكتورة خوري على كتابات حنّا بطاطو وعلي الوردي، والمقتضيات التي تفرضها منهجيتيهما المختلفتين على فهمنا لتاريخ وسياسات العراق اليوم. لقد استخدم كلٌّ من العالم السياسي الفلسطيني وعالم الإجتماع العراقي مقارباتٍ مختلفةً جذريًا، وتوصّلا إلى استنتاجاتٍ متباعدةٍ عن طبيعة المشروع الوطني في العراق الحديث. مستندًا إلى التحليل الطبقي الماركسي، تتبّع حنّا بطاطو أثر التنمية في المجتمع العراقي من مجتمعٍ سابقٍ للحداثة ومبنيٍ على الولاءات القبليّة والجَماعيّة، إلى مجتمعٍ طبقي حديث تتعايش فيه ولاءات الطبقة والأحزاب السياسية، وتستبدل في بعض الأحيان الولاءات الأقدم عهدًا والأكثر تقليديّة. على العكس من هذا، إستند علي الوردي إلى التفكير الإجتماعي لابن خلدون، بالإضافة إلى عمل علماء النفس الإجتماعي الأميركيّين. وفهم الوردي تاريخ العراق ليس كتطوّر خطّي من أشكال سابقة للحداثة من التنظيم الإجتماعي إلى أخرى حديثة، بل كصراع مستمرّ بين الحضارة والبداوة، وبين ثقافات الحياة المدينيّة المستقرّة والولاءات البدائيّة للقبيلة والطائفة.

إنّ كتابة بطاطو لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي وحلّه على يد البعث في أواخر السبعينات من القرن الماضي في أوْج صعود القوة البعثية تُظهر إيمانه في قدرة التعبئة الشعبية على صنع التغيير في المجتمع. أمّا علي الوردي، فلم يكن لديه هذا النوع من الإيمان، إذ رأى في سياسات انتفاضة 1920، التي يدّعي التأريخ الوطني  أنها مثّلت لحظة ولادة الأمة العراقيّة الحديثة، سياسات غارقة في وحول الولاءات القبلية والطائفية. وقادت مقاربة الوردي الإثنوغرافية إلى تأكيد أنّ الشخصية الثقافية للعراقيين/ات غير قادرةٍ على استيعاب الأشكال الحديثة منالتنظيمات الاجتماعية الإجتماع. وعند النّظر إلى تواريخ العراق الحديث لكلٍّ من بطاطو والوردي في العام 2016، يميل المرء إلى العثور في عمل الوردي على الكثير من المعلومات التي تساعد في فهم العراق اليوم. منذ التسعينات، بدأت إعادة نشر أعمال الوردي وتداولها بشكل واسع، استجابةً لمساءلة واسعة في العالم العربي لمشروع الحداثة وأنظمة ما بعد الإستعمار التي حكمت منذ الخمسينات. أمّا التحليل الطبقي لدى بطاطو وتفاؤله النسبي في مشروع الحداثة، فيبدوان غير مطابقَين للوقائع الحالية في العراق. لكن على الرّغم من هذا، سوف نفقد جزءًا عظيمًا من التبصّر في التاريخ الحديث للعراق، إذا ما نظرنا إلى تاريخه الإجتماعي من خلال عدسة الوردي حصرًا. وفي هذه الحال، سوف نفقد في ما نفقد، إنجازات مشروع التحديث في العراق، وإن كانت إشكاليّة، وكذلك إمكانيّة الكلام عن مستقبلعراقي خارج قيود الطائفة والقبيلة.

المحاضرة الثالثة (تونس، 2017)

ألقى المحاضرة الثالثة المعنونة “تاريخ الحزب الشيوعي العراقي بين الاكاديمي حنا بطاطو و المناضل السياسي عزيز سباهي” المؤرخ العراقي، ثابت عبدالله. وُلد ثابت عبد الجبار عبد الله ونشأ في بغداد في العراق. حاز على شهادة دكتوراه في التاريخ في عام 1992 من جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة. يشغل حاليًا منصب أستاذ ورئيس قسم التاريخ في جامعة يورك في تورونتو، في كندا.

وقد ركزت محاضرة الدكتور عبدالله على المقاربات المختلفة التي اعتمدها كل من حنا بطاطو وعزيز سباهي في كتابة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. في عام 2002 ، وبعد عقود من التأخير والتأجيل، نشر الحزب الشيوعي العراقي أخيرًا عماً يعرّف عن تاريخه ويُحلّله. قام بتأليف هذا العمل الذي يضمّ ثلاثة مجلدات عزيز سباهي، أحد كوادر الحزب منذ زمن طويل، وقد بدا ردًا مباشرًا على أعمال حنا بطاطو الضخمة عن العراق. وكان بطاطو قد أمل منذ فترة طويلة أن يتفاعل الحزب مع عمله من خال نشر نسخته الخاصة عن تاريخه، وكان سعيدًا لسماع أن سباهي قد بدأ العمل على هذا الموضوع. إنّما لم يعش طوياً لسوء الحظّ لقراءته أو التعليق عليه. في حين اعتمد كلّ من بطاطو وسباهي نهجًا ماركسيًا في كتابة تاريخ الحزب الشيوعي، تركت خلفيّة كل منهما بصماتها على عمل كلّ منهما. كان بطاطو أكاديميًا من أصل فلسطيني. وقد تابع دراسته في جامعَتي جورج تاون وهارفارد في الولايات المتحدة وكان يتمتّع بقدرة خارقة تسمح له بطرح موضوعه ضمن الإطار الاجتماعي والاقتصادي الأوسع للعراق الحديث. ومال بطاطو إلى التشديد على الظروف الموضوعية التي نشأ الحزب الشيوعي في ظلّها والخلفية الاجتماعية العامة لأعضائه. من ناحية أخرى، كان سباهي عراقيًا متحدّرًا من أسرة فقيرة. ورغم تحصيله العلمي المحدود، تمكّن من تثقيف نفسه بنفسه وانضم إلى الحزب الشيوعي في شبابه حيث أمضى حياته كلها وهو يُناضل داخل صفوفه. إن تاريخه مكتوب من وجهة نظر مُحازب عاش النضال من الداخل كما يسلّط الضوء على الظروف الشخصية والقرارات الفردية المتخذة في حالات محددة. بعد مراجعة بعض الأمثلة للنهجين المختلفين اللذين اعتمدهما المؤلفان في كتابة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، تمّ التركيز على الحاضر. والسؤال الذي طرح في نهاية المحاضرة هو ما إذا كان النهجان يساهمان في تسليط الضوء على الوضع الراهن للحزب بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.