ألقت المحاضرة الثانية المعنونة “المجتمع والتاريخ في العراق بين حنّا بطاطو وعلي الوردي” المؤرخة اللبنانية-الأميركية، دينا رزق خوري. الدكتورة خوري أستاذة في التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، وحائزة على زمالة مؤسّسة غوغنهايم.
تركّز محاضرة الدكتورة خوري على كتابات حنّا بطاطو وعلي الوردي، والمقتضيات التي تفرضها منهجيتيهما المختلفتين على فهمنا لتاريخ وسياسات العراق اليوم. لقد استخدم كلٌّ من العالم السياسي الفلسطيني وعالم الإجتماع العراقي مقارباتٍ مختلفةً جذريًا، وتوصّلا إلى استنتاجاتٍ متباعدةٍ عن طبيعة المشروع الوطني في العراق الحديث. مستندًا إلى التحليل الطبقي الماركسي، تتبّع حنّا بطاطو أثر التنمية في المجتمع العراقي من مجتمعٍ سابقٍ للحداثة ومبنيٍ على الولاءات القبليّة والجَماعيّة، إلى مجتمعٍ طبقي حديث تتعايش فيه ولاءات الطبقة والأحزاب السياسية، وتستبدل في بعض الأحيان الولاءات الأقدم عهدًا والأكثر تقليديّة. على العكس من هذا، إستند علي الوردي إلى التفكير الإجتماعي لابن خلدون، بالإضافة إلى عمل علماء النفس الإجتماعي الأميركيّين. وفهم الوردي تاريخ العراق ليس كتطوّر خطّي من أشكال سابقة للحداثة من التنظيم الإجتماعي إلى أخرى حديثة، بل كصراع مستمرّ بين الحضارة والبداوة، وبين ثقافات الحياة المدينيّة المستقرّة والولاءات البدائيّة للقبيلة والطائفة.
إنّ كتابة بطاطو لتاريخ الحزب الشيوعي العراقي وحلّه على يد البعث في أواخر السبعينات من القرن الماضي في أوْج صعود القوة البعثية تُظهر إيمانه في قدرة التعبئة الشعبية على صنع التغيير في المجتمع. أمّا علي الوردي، فلم يكن لديه هذا النوع من الإيمان، إذ رأى في سياسات انتفاضة 1920، التي يدّعي التأريخ الوطني أنها مثّلت لحظة ولادة الأمة العراقيّة الحديثة، سياسات غارقة في وحول الولاءات القبلية والطائفية. وقادت مقاربة الوردي الإثنوغرافية إلى تأكيد أنّ الشخصية الثقافية للعراقيين/ات غير قادرةٍ على استيعاب الأشكال الحديثة منالتنظيمات الاجتماعية الإجتماع. وعند النّظر إلى تواريخ العراق الحديث لكلٍّ من بطاطو والوردي في العام 2016، يميل المرء إلى العثور في عمل الوردي على الكثير من المعلومات التي تساعد في فهم العراق اليوم. منذ التسعينات، بدأت إعادة نشر أعمال الوردي وتداولها بشكل واسع، استجابةً لمساءلة واسعة في العالم العربي لمشروع الحداثة وأنظمة ما بعد الإستعمار التي حكمت منذ الخمسينات. أمّا التحليل الطبقي لدى بطاطو وتفاؤله النسبي في مشروع الحداثة، فيبدوان غير مطابقَين للوقائع الحالية في العراق. لكن على الرّغم من هذا، سوف نفقد جزءًا عظيمًا من التبصّر في التاريخ الحديث للعراق، إذا ما نظرنا إلى تاريخه الإجتماعي من خلال عدسة الوردي حصرًا. وفي هذه الحال، سوف نفقد في ما نفقد، إنجازات مشروع التحديث في العراق، وإن كانت إشكاليّة، وكذلك إمكانيّة الكلام عن مستقبلعراقي خارج قيود الطائفة والقبيلة.