تتمحور المحاضرة حول راهنية الأفكار التي تركها لنا المفكر المصري الموسوعي سمير أمين من خلال محاولة الإجابة عن السؤال الآتي: هل نظرية التبعية وفك الارتباط صالحة لتحليل العلاقات بين بلدان الجنوب والثالوث الرأسمالي (الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، واليابان) في القرن الحادي والعشرين؟
تلقي المحاضرة الضوء على فعالية هذه النظرية باعتبارها منهجًا خصبًا لتحليل الظواهر الاقتصادية والاجتماعية لبلدان الجنوب، من خلال استعراض مقتضب لبعض الاقتصادات العربية. وتركّز على التبعية الصناعية للدول العربية غير النفطية (حالة الاقتصاد المغربي مقارنةً بالنموذج الصيني الذي تبنّى نهج فك الارتباط لبناء اقتصاد وطني قوي ومندمج). كذلك، تعرض تداعيات التبعية للنفط وآثار الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران ودول الخليج والمنطقة العربية بصفة عامة. وتُختتم المحاضرة بتأكيد الحاجة إلى أجندات بحثية جديدة…
تدور الأفكار الأساسية للمحاضرة حول ثلاثة محاور وفق ما يأتي:
المحور الأول: نظرية التبعية
من الميزات الأساسية للأستاذ سمير أمين أنه كان مفكرًا مشتبكًا يعتبر البحث والكتابة فعلًا نضاليًّا لا ترفًا أكاديميًّا بحتًا؛ إذ سخّر مجهوده الفكري للكشف عن تناقضات الرأسمالية بوصفها نظامًا عالميًّا ينبني على الاستقطاب. كذلك، اتّخذ مبادرات عمليّة عدّة لدعم البحث في مجال العلوم الاجتماعية في إفريقيا والعالم الثالث، بالإضافة إلى انخراطه في كثيرٍ من المبادرات النضالية على الصعيدَين العالمي والإفريقي.
يُعدّ سمير أمين من الرواد الأوائل لنظرية التبعية في بُعدها الماركسي، باعتبارها السمة الأساسية للعلاقات بين “المركز” و”الأطراف”، حيث ينتج من تقدُّم الأول تخلُّف الثاني. وهي بالتالي وصف لآثار إدماج بلدان الأطراف في النظام الرأسمالي العالمي مع ما يستتبعه هذا الإدماج من استقطاب للثروات واستغلال لصالح المركز وتكريس للتخلف، عبر آليات التبادل غير المتكافئ ومن خلال التبعية للرأسمال الأجنبي (تحويل الأرباح وريع البراءات…) وللسوق العالمية للرساميل وللمنظمات الدولية متعددة الأطراف.
للخروج من فخ التخلف، يركّز سمير أمين على أهمية فك الارتباط (ليس الأوتاركية أي الانكفاء الكلّي على الذات أو الاقتصاد المغلق)، بوصفه إخضاعًا إراديًّا للعلاقات الخارجية لمتطلبات التنمية الداخلية، بدلًا من تكييف التنمية الداخلية لتلبّي احتياجات النظام الرأسمالي العالمي. ويهدف فك الارتباط الاشتراكي إلى تغيير نمط الاندماج في الاقتصاد العالمي والقضاء على الاستغلال الطبقي وبناء مجتمع ديمقراطي.
المحور الثاني: الانتقادات الموجّهة إلى نظرية التبعية
ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، تعرّضت نظرية التبعية لانتقادات كثيرة عقب سقوط جدار برلين وانتشار النموذج النيوليبرالي، نذكر من بينها: التركيز المبالغ فيه على العوامل الخارجية باعتبارها عائقًا للتنمية على حساب العوامل الداخلية (الصراع الطبقي والسياسي وعلاقات الإنتاج)؛ وتمكُّن بلدان شرق آسيا من كسر حاجز التخلف والنجاح في بناء أنظمة صناعية مندمجة رغم هيمنة النظام الرأسمالي المعولم. على الصعيد السياسي، أسهَمَ صعود الأنظمة الاستبدادية والشعبوية في أميركا اللاتينية في القضاء على “العالمثالثية” بوصفه مشروعًا سياسيًّا، ما ساعد في أفول نظرية التبعية.
المحور الثالث: راهنية نظرية التبعية في القرن الحادي والعشرين
ساعدت الأزمة العالمية البنيوية للنظام الرأسمالي (الأزمة المالية للعام 2008 وفشل النموذج الاقتصادي النيوليبرالي) في منح نظريّة التبعية نفَسًا جديدًا؛ ذلك أنّ أزمة الأيديولوجية النيوليبرالية التي ظلّت مهيمنة منذ ثمانينيات القرن الماضي فتحت المجال للبحث عن رؤى بديلة للتنمية، ما يعزّز فرص إعادة إحياء نظرية التبعية. وقد يتعزّز هذا المنحى إذا أخذنا في الاعتبار تفاقُم اللامساواة على الصعيد العالمي ومظاهر الاستقطاب للثروات لصالح المركز، على حساب الأطراف واستفراد الأوليغارشية العالمية بأدوات النفوذ متعدد الأبعاد.
من جهة أخرى، برزت آليات جديدة لإخضاع بلدان الأطراف وأنظمتها الإنتاجية الهشة عبر آليات المديونية، والاعتماد الكبير على صادرات السلع الأساسية (حالة بلدان أميركا اللاتينية)، وتدخُّل المنظمات متعددة الأطراف (مجموعة السبع)، على الصعيد العسكري (حلف شمال الأطلسي)، والسياسي والاقتصادي (الاتحاد الأوروبي، صندوق النقد الدولي…).
يقتضي تجديد الإطار المفاهيمي للتبعية التطرُّق إلى قضايا الجندر (النوع الاجتماعي) والنسوية والإشكاليات العرقية والهيمنة التكنولوجية والرقمية (التبعية 4.0). كذلك، يتطلب هذا التجديد اعتماد برنامج بحثي يرتكز على الأبعاد الآتية للإطار التحليلي لنظرية التبعية: البُعد التاريخي والبنيوي للظواهر الاقتصادية والاجتماعية، والتصدّي النظري لاتجاهات الاستقطاب التي تطبع نموذج النمو الرأسمالي، والاهتمام بالمعوّقات الناجمة عن الطابع الهامشي الذي تحتله دول الأطراف داخل النظام الاقتصادي العالمي.