سلسلة محاضرات سمير أمين

السلسلة الثالثة (2024-2027)

تحيي هذه السلسلة الثالثة (2024-2027) ذكرى الراحل سمير أمين (1931-2018) عبر تقدير أعمال هذا الاقتصادي والمفكّر المصري أمين وإسهاماته.

 

سمير أمين (1931-2018) السيرة والمسيرة

سمير أمين هو مفكّر واقتصاديّ مصريّ بارز. ولد في القاهرة عام 1931 لأبٍ مصريٍّ وأمٍّ فرنسيّة.قضى شبابه في بورسعيد، وأتمّ دراساته الثانوية في المدارس الفرنسيّة (الليسيه الفرنسيّة) عام 1947. شغلته الماركسيّة باكرًا. وفي مرحلة تعليمه الثانوي، انخرط في عالم السياسية يوم انقسم الطلاب المصريون خلال الحرب العالمية الثانية إلى مجموعتَين: شيوعيّة وقوميّة، فانضمّ سمير أمين إلى المجموعة الأولى. نشر عشرات الكتب من بينها مسيرته الفكريّة بعنوان: “سيرة ذاتيّة فكريّة” عام 1990. وحظي كتابه: “الفيروس الليبرالي، الحرب الدائمة وأمركة العالم” عام 2003 بشهرة واسعة، وتُرجِم إلى أكثر من لغة كسائر أعماله. كما نشر عددًا من المقالات في صحف ومجلات عربية وعالمية. عاش سمير أمين في داكار حتى  تموز/يوليو 2018. وبعد تشخيصه بمرض السرطان، نُقِل إلى أحد مستشفيات باريس حيث توفّي في 12 آب/أغسطس 2018 عن عمرٍ ناهز 87 عامًا. وصفه كثيرون بأنّه من أهمّ المفكرين وأكثرهم تأثيرًا في العالم الثالث، إذ ترك إرثًا كبيرًا لأجيال من علماء العلوم الاجتماعيّة في المنطقة العربية والعالم؛ فقد عُرِف بتقديم مصطلح “المركزية الأوروبية” (L’eurocentrisme) ونشر عنه كتابًا حمل عنوان المصطلح نفسه. كما اعتُبِر رائدًا في نظرية التبعية (Théorie de la dépendance).

المحاضرة الأولى (عمرو عادلي) (منصّة زوم، 2024)

لا تهدف هذه المحاضرة إلى تأبين الراحل سمير أمين من خلال الاحتفاء بميراثه الفكري، بقدر ما هي محاولة للاشتباك مع أهم الأطر النظرية التي تركها كوحدات فكرية لبناء وتطوير الاقتصاد السياسي النقدي والراديكالي في عالمنا المعاصر. لقد احتلّ سمير أمين مكانة مركزية في تطوير نظريات التجارة العالمية من منظور مدرسة التبعية ذات الميل الماركسي-اللينيني منذ صدور أعماله الرئيسية في النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين. وظلت نظريته الخاصة بالتراكم على الصعيد العالمي من خلال آليات التبادل غير المتكافئ بين بلدان المركز الرأسمالي والأطراف في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، أساسًا لكثير من الدراسات والسياسات لعقود بعدها.

لا شك أنّ سمير أمين يُعدّ ضمن الحالات القليلة -وربما النادرة- للإسهام المنطلِق من بلدان الجنوب (أو الأطراف كما تسمّيها نظريات التبعية) في الجهد التنظيري للاقتصاد السياسي العالمي، والذي بات في مجمله حكرًا على مراكز الإنتاج المعرفي في الشمال العالمي. كما أنّ عمله الممتد من خمسينيات القرن الماضي حتى وفاته عام 2018 كان نموذجًا للجمع بين التنظير والبحث الاقتصادي التجريبي في الجنوب العالمي ككلّ بما شمل العالم العربي والقارة الإفريقية وأميركا اللاتينية؛ وهو ملمح أمسى نادرًا في عالمنا اليوم الذي تغلب عليه دراسات المناطق المجزَّأة والمنكفئة على الذات، والبعيدة كلّ البعد عن الإسهام في إنتاج النظريات المؤطِّرة لدراسات الاقتصاد السياسي، والتي لا تزال ترد جاهزة إلينا من الشمال كي تُطبَّق في الجنوب.  ترمي المحاضرة إلى الغوص قليلًا في ميراث سمير أمين في الذكرى السادسة لرحيله، لا من أجل إعادة شرحه أو تفسيره فحسب بل أيضًا للوقوف على نحو نقدي من جوانبه النظرية والمعرفية، وعلاقة ذلك التراث العريض بمستقبل الاقتصاد السياسي النقدي، خصوصًا من منظور دول الجنوب بما قد يُسهم في أمرَين اثنَين: أن يزيد قدرة الباحثين من دول الجنوب على التنظير لحالات بلدانهم ومناطقهم، والإسهام في الجسم الرئيسي للاقتصاد السياسي على نحو نقدي؛ وأن يطوروا في الوقت نفسه أطُرًا يمكن من خلالها فهم وضعية ما يُسمى بالجنوب العالمي، والذي خلافًا لسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، قد مرّ بالعديد من التحولات في ما يتعلق بمستويات الاختلاف بين دوله في ما تنتج ودور كلّ منها في التقسيم الدولي للعمل على نحو يثير اليوم أسئلة حول جدوى أو حتى دقة استخدام مصطلح جامع مثل “الجنوب العالمي” كي يشمل حالات لا يجمعها الكثير. وبالإضافة إلى ذلك، تلقي المحاضرة بعض الضوء على مفهوم “التنمية” في سياق هيمنة الخدمات –بخاصة الخدمات المالية– والتقنية العالية على إنتاج القيمة المضافة على مستوى العالم؛ وما إذا كان بالإمكان تأويل الإطار النظري الراجع لسمير أمين كي يساعدنا في الإجابة عن هذه الأسئلة الملحّة.

المحاضرة الثانية: محمد سعيد السعدي (منصّة زوم، 2026)

تتمحور المحاضرة حول راهنية الأفكار التي تركها لنا المفكر المصري الموسوعي سمير أمين من خلال محاولة الإجابة عن السؤال الآتي: هل نظرية التبعية وفك الارتباط صالحة لتحليل العلاقات بين بلدان الجنوب والثالوث الرأسمالي (الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، واليابان) في القرن الحادي والعشرين؟

تلقي المحاضرة الضوء على فعالية هذه النظرية باعتبارها منهجًا خصبًا لتحليل الظواهر الاقتصادية والاجتماعية لبلدان الجنوب، من خلال استعراض مقتضب لبعض الاقتصادات العربية. وتركّز على التبعية الصناعية للدول العربية غير النفطية (حالة الاقتصاد المغربي مقارنةً بالنموذج الصيني الذي تبنّى نهج فك الارتباط لبناء اقتصاد وطني قوي ومندمج). كذلك، تعرض تداعيات التبعية للنفط وآثار الحرب الأميركية/الإسرائيلية على إيران ودول الخليج والمنطقة العربية بصفة عامة. وتُختتم المحاضرة بتأكيد الحاجة إلى أجندات بحثية جديدة…

تدور الأفكار الأساسية للمحاضرة حول ثلاثة محاور وفق ما يأتي:

المحور الأول: نظرية التبعية

من الميزات الأساسية للأستاذ سمير أمين أنه كان مفكرًا مشتبكًا يعتبر البحث والكتابة فعلًا نضاليًّا لا ترفًا أكاديميًّا بحتًا؛ إذ سخّر مجهوده الفكري للكشف عن تناقضات الرأسمالية بوصفها نظامًا عالميًّا ينبني على الاستقطاب. كذلك، اتّخذ مبادرات عمليّة عدّة لدعم البحث في مجال العلوم الاجتماعية في إفريقيا والعالم الثالث، بالإضافة إلى انخراطه في كثيرٍ من المبادرات النضالية على الصعيدَين العالمي والإفريقي.

يُعدّ سمير أمين من الرواد الأوائل لنظرية التبعية في بُعدها الماركسي، باعتبارها السمة الأساسية للعلاقات بين “المركز” و”الأطراف”، حيث ينتج من تقدُّم الأول تخلُّف الثاني. وهي بالتالي وصف لآثار إدماج بلدان الأطراف في النظام الرأسمالي العالمي مع ما يستتبعه هذا الإدماج من استقطاب للثروات واستغلال لصالح المركز وتكريس للتخلف، عبر آليات التبادل غير المتكافئ ومن خلال التبعية للرأسمال الأجنبي (تحويل الأرباح وريع البراءات…) وللسوق العالمية للرساميل وللمنظمات الدولية متعددة الأطراف.

للخروج من فخ التخلف، يركّز سمير أمين على أهمية فك الارتباط (ليس الأوتاركية أي الانكفاء الكلّي على الذات أو الاقتصاد المغلق)، بوصفه إخضاعًا إراديًّا للعلاقات الخارجية لمتطلبات التنمية الداخلية، بدلًا من تكييف التنمية الداخلية لتلبّي احتياجات النظام الرأسمالي العالمي. ويهدف فك الارتباط الاشتراكي إلى تغيير نمط الاندماج في الاقتصاد العالمي والقضاء على الاستغلال الطبقي وبناء مجتمع ديمقراطي.

المحور الثاني: الانتقادات الموجّهة إلى نظرية التبعية

ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، تعرّضت نظرية التبعية لانتقادات كثيرة عقب سقوط جدار برلين وانتشار النموذج النيوليبرالي، نذكر من بينها: التركيز المبالغ فيه على العوامل الخارجية باعتبارها عائقًا للتنمية على حساب العوامل الداخلية (الصراع الطبقي والسياسي وعلاقات الإنتاج)؛ وتمكُّن بلدان شرق آسيا من كسر حاجز التخلف والنجاح في بناء أنظمة صناعية مندمجة رغم هيمنة النظام الرأسمالي المعولم. على الصعيد السياسي، أسهَمَ صعود الأنظمة الاستبدادية والشعبوية في أميركا اللاتينية في القضاء على “العالمثالثية” بوصفه مشروعًا سياسيًّا، ما ساعد في أفول نظرية التبعية.

المحور الثالث: راهنية نظرية التبعية في القرن الحادي والعشرين

ساعدت الأزمة العالمية البنيوية للنظام الرأسمالي (الأزمة المالية للعام 2008 وفشل النموذج الاقتصادي النيوليبرالي) في منح نظريّة التبعية نفَسًا جديدًا؛ ذلك أنّ أزمة الأيديولوجية النيوليبرالية التي ظلّت مهيمنة منذ ثمانينيات القرن الماضي فتحت المجال للبحث عن رؤى بديلة للتنمية، ما يعزّز فرص إعادة إحياء نظرية التبعية. وقد يتعزّز هذا المنحى إذا أخذنا في الاعتبار تفاقُم اللامساواة على الصعيد العالمي ومظاهر الاستقطاب للثروات لصالح المركز، على حساب الأطراف واستفراد الأوليغارشية العالمية بأدوات النفوذ متعدد الأبعاد.

من جهة أخرى، برزت آليات جديدة لإخضاع بلدان الأطراف وأنظمتها الإنتاجية الهشة عبر آليات المديونية، والاعتماد الكبير على صادرات السلع الأساسية (حالة بلدان أميركا اللاتينية)، وتدخُّل المنظمات متعددة الأطراف (مجموعة السبع)، على الصعيد العسكري (حلف شمال الأطلسي)، والسياسي والاقتصادي (الاتحاد الأوروبي، صندوق النقد الدولي…).

يقتضي تجديد الإطار المفاهيمي للتبعية التطرُّق إلى قضايا الجندر (النوع الاجتماعي) والنسوية والإشكاليات العرقية والهيمنة التكنولوجية والرقمية (التبعية 4.0). كذلك، يتطلب هذا التجديد اعتماد برنامج بحثي يرتكز على الأبعاد الآتية للإطار التحليلي لنظرية التبعية: البُعد التاريخي والبنيوي للظواهر الاقتصادية والاجتماعية، والتصدّي النظري لاتجاهات الاستقطاب التي تطبع نموذج النمو الرأسمالي، والاهتمام بالمعوّقات الناجمة عن الطابع الهامشي الذي تحتله دول الأطراف داخل النظام الاقتصادي العالمي.