إنتاج المعرفة النقديّة في المنطقة العربيّة

 28-25 أيار/مايو 2023

حول المؤتمر

عقد المجلس العربي للعلوم الاجتماعية مؤتمره السادس بعنوان “إنتاج المعرفة النقديّة في المنطقة العربيّة” في بيروت- لبنان، في خلال الفترة الممتدة من 25 إلى 28 أيّار/مايو 2023. جمع المؤتمر قرابة 400 باحث وباحثة من المنطقة العربيّة والعالم، فضلًا عن أعضاء مجلس أمناء المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة، وممثلين وممثلات عن الجهات المانحة، وعدد من العمداء والمديرين وأعضاء هيئة التدريس في جامعات بارزة في المنطقة، وحشد من المهتمّين/ات. توزّعت الأوراق المقدَّمة على أربعة محاور هي: إرث المعارف النقديّة، وتفكيك البنى المعرفيّة الاستعماريّة، والذاكرات والثقافات الشعبيّة، ومواقع إنتاج الفكر. وقدّم الباحثون والباحثات أوراقهم/نّ البحثيّة في إطار 64 جلسة، إضافةًإلى 8 طاولات مستديرة.

موضوع المؤتمر

واحتضن المؤتمر كلمةً رئيسيّة ألقاها الكاتب والمفكّر السوري ياسين الحاج صالح بعنوان “ما لا يُكذَّب وما لا يُصدَّق: الإيديولوجيا وثالوت الاستثناء والمستحيل والفظيع”، وتولّى إدارة الجلسة كلٌّ من محمد باميه (الرئيس السابق لمجلس أمناء المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة) وإليزابيث سوزان كسّاب (الرئيسة الحاليّة لمجلس أمناء المجلس العربي للعلوم الاجتماعيّة). كما عُقِدت جلسة رئيسيّة حول “التنظیر من الجنوب: منظورات عبر إقليميّة” شارك فيها كلٌّ من غودوين مورونغا (الأمين التنفيذي لمجلس تنمية بحوث العلوم الاجتماعيّة في إفريقيا/كوديسريا)، وكارينا باتثياني (المديرة التنفيذية لمجلس العلوم الاجتماعيّة لأميركا اللاتينيّة/كلاكسو)، وإدريس كسيكس (المدرسة العليا HEMوLCI-المغرب وعضو اللجنة المنظمة للمؤتمر)، وفادي بردويل (جامعة ديوك، وعضو في اللجنة المنظمة للمؤتمر). واختُتِم المؤتمر بجلسةٍ ختاميّة لسلسلة المحاضرات السنويّة التي يكرّم المجلس من خلالها الكاتبة وعالمة الاجتماع فاطمة المرنيسي، قدّمت فيها المحاضِرات الثلاث في السلسلة أسماء بنعدادة (جامعة سیدي محمد بن عبد ﷲ في فاس، المغرب) وأميمة أبوبكر (جامعة القاهرة) وزينة زعتري (المركز العربي الأمیركي الثقافي في جامعة إلينوي، شيكاغو) ملخّصاتٍ عن محاضراتهنّ الرئيسيّة.

وأقيمت على هامش المؤتمر مجموعة أنشطة كجلسات الملصقات لزملاء وزميلات من برنامج الجيل الجديد التابع للمجلس، وورشات عمل، ومعارض كتب، وأرشيف لدوريات عربية عريقة وملصقات أفلام عن “الفرات للنشر والتوزيع”، فضلًا عن جلسات تعرُّف إلى المؤلِّفين/ات وهم/نّ: باسكال غزالة عن كتابها “رحلة البحث عن مي”، وعلي عبداللطيف حميده عن كتابه “ليبيا التي لا نعرفها”، وزهراء علي عن كتابها “المرأة والجندر في العراق: بين بناء الأمة والتفتت”، وعبد الأحد السبتي عن كتابه “من عام الفيل إلى عام المارِيكان الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخي”.

 كما خُصِّص جناحٌ لمنشورات المجلس التي تشكّل موارد معرفيّة مهمّة باللغة العربيّة للباحثين والباحثات بوصول مفتوح ومجّاني.

ركّزت الأوراق المقدَّمة في المؤتمر على 4 ثيمات هي:

إرث المعارف النقديّة العربية

انشغل البحاثة والمفكرون العرب منذ أكثر من قرنين بالإرث النقدي المعرفي العربي/الإسلامي بين اتجاهين: الأول باعتباره مصدرًا ومرجعية ومنطلقًا للمعرفة عبر استحضاره والارتكاز عليه لتأسيس معرفة نقدية تأصيلية. والثاني عبر اتجاهات أخرى دافعت عن كونية المعرفة واعتبار أن الحداثة تستوجب أن يتم تقديم مقاربات توليفيه تجمع بين الأصالة والمعاصرة والماضي والحاضر والمثاقفة بينهما وبين التراث العربي الإسلامي. هذه السجالات كانت وما زالت مصدر السجالات الأساسية المعرفية للمشتغلين في العلوم الاجتماعية في المنطقة العربية.

في ظلّ الأزمات المتتالية التي تمسّ مجمل الحيوات الفكرية العربية:

كيف ينظر اليوم لهذا الإرث وعلاقته بالموروث المعرفي العالمي؟

ما هي التأويلات التجديدية في هذه الحقول؟ كيف نعيد قراءة هذه الأعمال النقدية وترهينها مع الواقع العربي المَعيش؟

كيف نقرأ هذا الإرث المعرفي وسجالاته في ظل تراجع الإنتاج باللغة العربية وباللغات الأخرى غير المهيمنة لصالح اللغات المهيمنة في المنطقة؟

ما القراءات التجديدية لعملية إنتاج المعرفة التي تسعى لتأسيس معرفة نظرية عربية والرغبة بتطوير أدوات ومناهج خاصة بالمنطقة وملاءمتها لدراسة مجتمعاتهم بعيدة عن المركزيات الثقافية التي انتجت النظريات المهيمنة وتعيد إنتاج الهيمنة؟

هل ثمة تفاعل معرفي نقدي جديد بين الباحثين المجددين أو بين الأجيال الجديدة عن التراث النقدي المعرفي العربي ومساءلته لمدى ملاءمته لدراسة لمجتمعاتهم الراهنة؟ تقديم قراءات تجديدية لمآل المشروع النقدي العربي التجديدي؟

ما مآل النقد المزدوج (“العربي الإسلامي”/ “الغربي”) اليوم لدى الباحثين عبر عقد قراءات مقارنة عابرة للأجيال؟

 

تفكيك البنى المعرفية الاستعمارية

عرف التفكير في تفكيك وتجاوز البنى المعرفية والسلطوية الاستعمارية أشكالًا عدة، خلال العقود الأربعة الماضية، انطلاقًا من مدارس معرفية متفرقة نشأت معظمها في الجامعات الغربية ولكنها أخذت أبعادًا محلية سواء في الهند، أم أميركا اللاتينية أم إفريقيا جنوب الصحراء.

لكل سياق حيثياته ومنطلقاته الإبستيمية والتاريخية لمساءلة ترسبات البنى المعرفية الاستعمارية في الحاضر، سواء تجلت في طرائق صياغة وترتيب وتلقي المعارف الأكاديمية أم في العلاقات القائمة بين النخب العالمة ومجتمعاتها، أم حتى في مأسسة الحداثة التقنية من طرف الدولة في ما بعد الاستقلال الإداري وخبرائها المستوردين لأنماط جاهزة في علاقة مع مكونات مجتمعية ما زالت تبحث عن استقلالية فكرية وإجرائية فعلية.

ليس بزوغ ضرورة مساءلة نمط التفكير الاستعماري في المنطقة العربية وليد اليوم، بل إنه عرف في فترات متباينة بين عقدَي الستينيات والثمانينيات تلوينات مختلفة مرتبطة بالتنمية المحلية والثقافات الموؤودة بل وحتى بمساءلة التأصيل التي أخدت في بعض الأحيان بعدًا “أصوليًّا”. وإذا كانت هذه المقاربات والمسالك لم تتخذ لها تسمية جامعة مرتبطة بـ”الما بعد استعماري”، فإنها كوّنت رصيدًا هائلاً في حاجة إلى قراءة نقدية ثاقبة ومتأنية؛ فالحاجة إلى ضرورة سلك منهج تفكيك البنى المعرفية الاستعمارية لم تأتِ في فراغ، بل تم التلميح إليها في السنوات الماضية من أكاديميين نوعًا ما متحرّرين من أنماط التفكير السائدة  ومن فنانين يسائلون الموروث والسائد والمضمر في مجتمعاتهم، وكذا من باحثين في المهجر يواجهون تجليات متجددة للسيطرة والاستيلاب ويعملون بمعية فرق بحثية تسلك هذه الدروب في النقد.

الجديد اليوم، هو أنّ عددًا كبيرًا من هؤلاء الفاعلين الأكاديميين وغير الأكاديميين يسعون بطرائق متباينة الى إعادة ترتيب آليات فهم الذات والآخر، دون السقوط في الفخ الهوياتي أو الرغبة الجامعة في الانتقام، بل بغاية توسيع فهم الكوني من وجهة نظر تعددية ولا تراتبية ومساءلة مفاهيم من قبيل “العدل الإبستيمي” و”المعرفة بمعية الفاعلين” و”السرديات المضادة” انطلاقًا من تحريات وتجارب ميدانية ومنهجية نقدية متينة، لا تنزاح للاستنساخ السهل للنظريات، بل تبحث عن أفضل السبل لاستنباتها وتطويرها.

مواقع إنتاج الفكر

للوهلة الأولى يبدو موضوع مواقع إنتاج الفكر النقدي بديهيًّا. فالفكر النقدي منتج يصنعه باحثون متخصّصون، يُنشر في دوريّات محكمّة، يدرَّس في الجامعات، ويناقش في المؤتمرات. ليست تلك الصورة عن هويّة منتجي الفكر النقدي، ومواقع إنتاجه، وسبل نقله ودوائر تداوله مزيّفة بالكامل. إلّا أنّ إيجازها وتبسيطيتها يحجبان أسئلة صعبة وتحدّيات محوريّة حول اللغة والترجمة والمخيال النظري؛ والمواقع الجغرافية والمؤسسية؛ ودوائر تداول الفكر النقدي وإمكانيات توظيفه وإدراجه في مشاريع سياسية.

  1. اللغات، والترجمة، والمخيال النظري

يُكتب الفكر النقد  بلغات مختلفة، ربما أكثرها تداولًا العربية والفرنسية والإنكليزية. لكنّ مسألة اللغة كأحد الأركان الأساسية لموقع إنتاج الفكر النقدي لا تقتصر على لغة الكتابة. فغالبًا ما تقترن لغة الكتابة بلغات أخرى للقراءة والترجمة والمحادثة. والغوص في مسألة اللغة/اللغات المختلفة التي تساهم بإنتاج الأعمال يشكّل مدخلًا لتناول الحساسيّات والميول والأمزجة الفكرية المختلفة وسبل تشكّل مخيال المفكَرين النظريّين (الهابيتوس). على سبيل المثال، ما علاقة الترجمة بمفهومها الواسع واتجاهاتها غير المتكافئة (من العربية وإليها، من العاميّة وإليها، من الشفوي وإليه) بعملية إنتاج الفكر النقدي؟

  1. المواقع الجغرافية، وفضاءات الأسئلة، والأوضاع القانونية

لعلّ ثنائية الداخل والخارج من أكثر المسائل إثارة للنقاشات الحادّة ومن أكثرها ارتباطًا بماضينا وحاضرنا. فمن من أين يكتب الفكر النقدي؟ وكيف يوفّر الموقع الجغرافي سبلًا مختلفة للشروع بالنقد أو يقف حجر عثرة في وجهه؟ وما هي أوجُه الترابط والاختلاف بين الموقع الجغرافي للكاتبة والأسئلة والإشكاليّات التي تتناولها؟ فهل الكتابة من نيويورك كتابة لنيويورك بالضرورة؟ أم أنها كتابة من نيويورك للقاهرة مثلاً؟ فالفكر النقدي العربي يكتب جزئيًّا من المهاجر منذ أكثر من قرن؛ فكتب الفلسطينيون المشتتون بعد النكبة بلغات كثيرة ومن مواقع جغرافية ومؤسسية مختلفة. كما دفع استبداد أنظمة ما بعد الاستعمار والحروب الأهليّة والغزوات وأخيرًا الثورات المضادة بالكتّاب المعارضين والنقديّين إلى الخروج من بلادهم. ويطرح الخروج أسئلة شائكة عن اختلاف توصيف الخروج وأثره على العمل وعلى الجمهور المفترض الذي تتوجّه المفكرّة النقدية إليه. ففي الزمن النزوح والتهجير الجماعيين لا يمكننا اختزال الخروج بالرومانسية التي أغدقت أحيانًا في الماضي على صورة المثقف في المنفى. فكيف نعيد التفكير بمواقع الكتابة والمخاطبين من خلالها حين نميّز بين المنفي واللاجئ والنازح والمهجّر والمهاجر غير الشرعي والمجنّس؟

  1. مؤسسات الإنتاج، ودوائر التداول، وآفاق النقد السياسية

أين يتمّ إنتاج العمل النقدي؟ مَن يخاطب؟ وكيف يُسهم الموقع المؤسّسي للإنتاج ودائرة تداوُله في استيعابه واستخدامه؟

على عكس عمل المنظّرين الغربيّين المعاصرين، الذي تمّ إنتاج أكثره ضمن النطاق المؤسّسي للجامعات، لم يرتبط الفكر النقدي في منطقتنا حصرًا بالمؤسسات الأكاديميّة  قرّائها المتخصصين. فبعض هذه الأعمال كان مندرجًا في إطار مشاريع سياسيّة وتمّ تداوُله عبر نشرات حزبية سرية ومنشورات صادرة بأسماء مستعارة لمثقفين- مناضلين. وتطرح المواقع المؤسسيّة  ومصادر تمويلها، ونطاقات النشر، وفئات القرّاء المستهدَفة تساؤلاتٍ مهمّة بشأن المساءلة الاجتماعيّة للناقد ومعايير النقد وآثاره السياسيّة المحتملة. أخيرًا شهدنا تكوّن مؤسسات وأعمال تصف نفسها بالبديلة. لم يعد النقد مقتصرًا على معارضة السلطة وتعريتها. فأنشِئت مؤسسات موازية تتبنى رؤى مختلفة وتسعى إلى إرساء دوائر تدوال خاصّة بها. وتطرح جميع تلك التطوّرات تحدّيات حول إعادة تعريف النقد وآفاقه. على سبيل المثال، كيف نفهم الفرق بين المعارض والبديل وعلاقتيهما بالسلطة؟ وما علاقة التوّجهات البحثية التي تنقّب في الهامش بالمتن؟ هل تسعى تلك الأعمال إلى الاكتفاء بنقد المتن من خلال إعادة الاعتبار للهامش؟ أم تسعى إلى بناء هيمنة مضادة للمتن تسعى من خلالها إلى إخراج الهامش من هامشيته؟

الذاكرات والثقافات الشعبية

تشكّل الثقافة الشعبية مضمارًا مهمًا لإنتاج المعرفة وممارستها، ويجري عن طريقها نقد الحياة الاجتماعية وتغييرها. ويمكن النظر إلى الثقافة الشعبية على أنها تعبير عن قيَم الناس وحياتهم اليومية؛ ولكنْ، قد تفرضها أيضًا مجموعة سياسية أو نخبة محظيّة. وانطلاقًا من هذه المنظورات، تُعدّ الثقافة الشعبية جزءًا من الحياة اليومية وفي الوقت نفسه مساحة للنضال ومجالًا لعرض القوة والسيطرة. في هذا السياق، تُعتبَر الذاكرة جزءًا لا يتجزأ من بناء الثقافة الشعبية لأنها تحدّد كيف يتذكّر الناس أو مجموعات من الناس ماضيهم ويفسّرون حاضرهم. وبذلك، تصبح الذاكرة إحدى طرُق تعرُّف الماضي المشترك وصياغة هوية قد توفّر الدعم والتضامن الاجتماعي أو قد تُبرّر الصراع والانقسامات الاجتماعية وتُطيل أمدها. في هذا الإطار، تشكّل الذكريات رواياتٍ محلية ووطنية وعابرة للحدود الإقليمية، تتناول سبب حدوث الأشياء بالطريقة التي تحصل فيها وكيفية التعامل مع المشكلات.كما ترتبط الذكريات، في معظم الحالات، بماضٍ مضطرب؛ وتُستخدم مثل هذه المواضي المضطربة لتحقيق الفهم السائد للهوية والتضامن وإعادة النظر فيه. وبهذه الطريقة، يتداخل بناء علاقة الشعوب بالماضي وإعادة إنتاجها مع الثقافة الشعبية. وعليه، من الأهمية بمكان فهم أنّ الذاكرة والثقافة الشعبية لا يبرزان “بشكل طبيعي” على الرغم من أنهما يبدوان “عضوييْن” في الجماعة أو المجتمع. في الواقع، يتمّ إنتاجهما من خلال المؤسسات والممارسات الرسمية والنظامية، ويشكّلان كذلك مجالًا لتدخُّل الدولة. وفي عالم اليوم، يجري رسم ملامح الذاكرة والثقافة الشعبية وإدارتها عن طريق التعليم ووسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال الفعاليّات والاحتفالات والمهرجانات والمواقع الإلكترونية. في هذا السياق، تقدّم السرديات المتنافسة مفاهيم بديلة للماضي وتشكّل طريقة مهمّة لانتقاد الظروف الراهنة وتغييرها.