يتناول هذا المقال الديناميات الاجتماعية التي حكمت العلاقة بين الأهالي المسلمين والمستوطنين الأوروبيين في الجزائر في خلال الحقبة الاستعمارية، متخذًا من الولاية الفرعية (Sous-préfecture) سطيف مجالًا مكانيًّا للدراسة، ومغطّيًا الفترة الممتدة بين 1901 و1956. وينطلق من فرضية مفادها أنّ المجتمع الاستعماري لم يكن قائمًا على قطيعة اجتماعية مطلقة ولا على تعايُش مندمج، بل تشكّل ضمن منطق مركّب جمع بين الاحتكاك اليومي الذي فرضه الواقع الاستعماري والتنافر البنيوي الناتج عن اختلال موازين القوة القانونية والاقتصادية والثقافية. ولتحليل هذه الديناميات، يعتمد المقال مقاربة اجتماعية–أنثروبولوجية تتجاوز القراءات السياسية والعسكرية التقليدية، من خلال التركيز على الحياة اليومية، والممارسات الاجتماعية، والتمثلات المتبادلة، مع إيلاء إعادة تشكُّل البنى الاجتماعية المحلية تحت تأثير السياسات الاستعمارية اهتمامًا خاصًّا. وفي هذا السياق، يبرز دور الأرض بوصفها المحدد الرئيس لإعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية، إذ أسهمت سياسات نزع ملكية الأهالي وتوطين المستوطنين في تفكيك البنى الجماعية التقليدية، وإعادة تشكيل أنماط العيش والعمل، وتحويل الريف إلى فضاء احتكاك غير متكافئ. ويعالج المقال أيضًا ظاهرة اللصوصية الريفية باعتبارها تعبيرًا اجتماعيًّا مركّبًا عن التفكك البنيوي والاحتجاج غير المنظم، أكثر من كونها مجرد انحراف إجرامي معزول. وينتقل بعد ذلك إلى دراسة الفضاءات الحضرية بوصفها مجالات للتجاور القسري بين الأهالي والمستوطنين، ويُبرز أنّ مظاهر التثاقف ظلت محدودة وانتقائية، وأنّ العلاقات الاجتماعية بقيت محكومة بمنطق الفصل النسقي، وهو ما تؤكده ندرة الزواج المختلط الذي ظل ظاهرة استثنائية كشفت حدود الاندماج داخل مجتمع استعماري قائم على اللامساواة القانونية والرمزية. ويخلص المقال إلى أنّ أحداث 8 مايو/أيار 1945 مثّلت لحظة قطيعة تاريخية حاسمة أنهت وهم التعايش الممكن، وحولت التوترات الاجتماعية المتراكمة إلى صراع وجودي وذاكرات متعارضة، بما يؤكد أنّ العنف لم يكن عنصرًا طارئًا على التجربة الاستعمارية، بل كان متجذرًا في بنيتها الاجتماعية، وأنّ التعايش الذي فرضته الضرورة التاريخية لم يفضِ إلى اندماج حقيقي، وإنما مهّد للشروط الاجتماعية والسياسية التي أفضت إلى مسار التحرر الوطني.
الكلمات المفتاحية: الديناميات الاجتماعية الاستعمارية، الأهالي المسلمون والمستوطنون الأوروبيون، سطيف في خلال الحقبة الاستعمارية.